الهوية الثقافية ذلك الخيط الخفي الذي يربط الإنسان بأرضه وتاريخه ومجتمعه، وتظهر في لغته ولباسه وطعامه وبيته ومجلسه وفي أفراحه وأهازيجه وفي طريقة استقبال الضيف وفي الممارسات اليومية التي لا يدرك صاحبها أنها تحمل وراءها تاريخاً طويلاً وتجربة متراكمة.
الجغرافيا والتنوع المكاني
تتعدد بيئات المملكة بين الصحراء والجبل والساحل والواحة، وقد شكلت هذه الاختلافات أنماط عيش متنوعة لكنها تلتقي جميعا في إطار ثقافي ووطني واحد يجمعه الدين واللغة والقيم المشتركة. ففي نجد والقصيم نرى العمارة الطينية والجدران السميكة والأفنية الداخلية والأسواق القديمة والنخيل الذي stanowi الرئة الخضراء للواحة ومركز الحياة الاجتماعية. وفي مكة المكرمة والمدينة المنورة تظهر العمارة الحجازية ببيوتها المتقاربة ورواشينها المزخرفة وشرفاتها الخشبية التي تكونت عبر قرون من استقبال الحجاج والتجار من كل أنحاء العالم. وفي المنطقة الشرقية تتصل الواحات والساحل بذاكرة المكان التي ترتبط بالبحر والغوص وصيد اللؤلؤ وتجارة التمور وبناء السفن. وفي الجنوب تجد عسير والباحة القرى الحجرية والحصون المتدرجة على الجبال وزخارفها اللونية المميزة، ويجمع جازان طابع السهل والجبل والبحر وبيوت العشش، وفي نجران تظهر العمارة الطينية ذات الكتل الرأسية والأخاديد الزخرفية الفريدة. وتحمل شمالاً حائل وتبوك والجوف والحدود الشمالية ذاكرة الجبل والصحراء وطرق القوافل القديمة، ولا تزال قرى مثل لينة التاريخية تحتفظ بهذه الذاكرة ببيوتها الطينية وسوقها القديم وآبارها.
التراث المادي والفنون
قد تتجرأ الأشياء الصغيرة فتختزل مساحة كبيرة من الهوية؛ ففنجان القهوة السعودية ليس مجرد شراب بل منظومة كاملة من المعاني الترحيب والكرم وتوقير الضيف وآداب التقديم والجلوس والتقدير، فعندما تنتشر رائحة الهيل والزعفران في المجلس يتجاوز الأمر المذاق إلى الذاكرة الجمعية والشعور بالانتماء. وتستعرض المائدة حكاية المكان والمناخ وتاريخ الزراعة، ففي الوسط المرقوق والجريش والقرصان والكليجا وكبيبة حائل المشهورة بحشوتها، وفي الغرب السليق الطائفي والأرز المديني والصيادية الحجازية والمعمول الحجازي، وفي الشرق الأرز الحساوي الأحمر ذو القيمة الغذائية العالية والكبسة الحساوية، وفي الشمال المليحية بالإقط والسمن والبكيلة من نبات السمح والتشريبة والفتيت، وفي الجنوب المغش في الحجر والحنيذ في الحفرة وخبز المقناة والرقش والعصيدة والعريكة، فنتذوق في كل طبق أثر البيئة وطرق العيش وتقنيات الحفظ القديمة التي ابتكرها الإنسان السعودي ليتكيف مع بيئته. ويحمل اللباس دلالات المكان والبيئة والمناسبة والحالة الاجتماعية؛ فثوب الرجال والغترة والعقال والبشت يبقى أساساً لزي الرجال لكن بتفاصيل محلية تميز الحجاز بصديريته المطرزة، والجنوب بأحزمته وملحقاته الجبلية والخناجر المزخرفة، ونجد والشمال والشرق بأنماطها الخاصة في الغترة والعقال والشماغ. وتعكس أزياء النساء مساحة أوسع من اللون والتطريز والبهجة؛ فتبرز في الجنوب الألوان الزاهية والتطريز الكثيف بالخرز، وفي نجد الثياب الواسعة المطرزة بخيوط الحرير والزري، وللحجاز والشرقية والشمال أنماطها وزخارفها وأغطية رأسها من الشيلة والبرقع والمسفع والمحرمة، وقد أودعت المرأة في التطريز زينتها وذوقها ومهارتها وما توارثته من أمها وجدتها عن بيئتها فتحولت الملابس إلى وثيقة ثقافية تقرأ وتؤرخ. وقد تبوّأ الشعر مكاناً خاصاً في الهوية السعودية؛ فنقرأ في الفصيح لعبد االله بن خميس عن جبل طويق: «يا جاثماً بالكبرياء تسربلا … هلاَّ ابتغى مدى الزمان تحولا … ترنو إلى الأجيال حولك لا تني … تَتْرى على مر العصور تداولا» ولغازي القصيبي في الوطن: «أجل نحن الحجازُ ونحن نجدُ … هنا مجدٌ لنا وهناك مجدُ» وهذا الربط بين الفصيح والهوية الوطنية واضح. وإلى جواره ظل الشعر العامي قريباً من المجالس والقلوب ومنه لابن لعبون في وطنه: «يا أهل العيرات عن دارالتلاف.. مـن عفا الله عنه يـردف له رديفْ … طالعوا نجدٍ عسى ديم الولاف.. يسقي الجدران مـن جال الـشعـيفْ» ولخلف بن هذال العتيبي: «يا خادم البيتين الأقصى والأدنى.. يا سور مكة يا حجاب المدينة .. وبراية التوحيد عاشت بلدنا.. عاش المليك وعاش ساعد يمينه». وقد رسمت القصيدة نصاً مندمجاً ببيئتها في لغتها وصورها وإيقاعها وأشياء من المكان الذي ولدت فيه ومن القيم التي حملتها.
القيم الاجتماعية والتجديد
كما عبر السعودي بالكلمة عبر بالحركة والإيقاع، وتأتي العرضة السعودية في مقدمة الفنون التي أصبحت رمزاً وطنياً بصفوفها وسيوفها وطبولها وأهازيجها الحماسية التي توحد الصف. ونحمد الله جت على ما نتمنى.. من ولي العرش جزل الوهايب. والمشهد أوسع من العرضة بكثير؛ ففي الحجاز يبرز المزمار والينبعاوي في سواحل الغربية، وتتردد في الشرقية السمسمية وأهازيج الغوص بحثاً عن اللؤلؤ والنهمة، وتنتشر في الجنوب الفنون من الدانة والزامل والمعشى في جازان إلى الزامل والرزفة في نجران والخطوة الجنوبية واللعب في عسير والباحة، ونرى في الشمال ونجد وحائل الدحية والسامري والهجيني والربابة التي صاحبت حياة الصحراء والترحال والسمر؛ لكل منطقة صوتها وإيقاعها لكنها جميعا تحول الذاكرة إلى مشهد حي يرى ويسمع. وقبل المصانع والمستوردات كانت اليد تصنع كل الحاجات؛ فمن أشهرها في بادية نجد والشمال السدو بنسج الصوف ووبر الإبل لبيوت الشعر والمفارش، وفي القرى الخوص من سعف النخيل للسلال والحصر والمراوح والفخار والنجارة وصياغة الحلي الفضية والذهبية. وبرز في الجنوب فن القط العسيري فن زخرفي أصيل اشتهرت به نساء عسير لتزيين مجالس الضيوف وغرف المنزل بأشكال هندسية وألوان متناسقة من الأبيض والأزرق والأصفر والأحمر؛ فقد وضعت اليد تزين الجدران ووضعت عليها ذائقتها ونقلت خبرتها وجمالها الداخلي، وهنا نرى أن الجمال لم يكن ترفاً بل كان يدخل في الباب والبساط والوعاء والثوب نفسه وكان جزءاً من الحياة اليومية. واتسع دور المجلس في الثقافة السعودية من مكان للجلوس ليكون مؤسسة اجتماعية مصغرة؛ فهو مكان للضيافة ومساحة للحوار وتبادل الرأي وحل الخلافات ونقل الأخبار؛ وفيه يتعلم الصغير آداب المجتمع بالمشاهدة والممارسة: كيف يستقبل الضيف وكيف يقدم الكبير وكيف يصغي للمتحدث وكيف يحترم الرأي الآخر… وهكذا انتقلت القيم عبر ممارسة يومية بسيطة وعفوية دون مناهج مكتوبة. وتظهر العادات لغة اجتماعية؛ فتظهر في الأعياد والأعراس والمناسبات الهوية أوضح في السلام والزيارة وتقديم الطعام والأهازيج والعطايا؛ فقد تتغير التفاصيل والأساليب مع الزمن لكن القيم تظل ثابتة الكرم وصلة الرحم والتكافل واحترام الكبير والاحتفاء بالضيف والوقوف مع الجار؛ فالهوية السعودية في العادات الاجتماعية حفظت الأشياء كما حفظت القيم التي تمنح الأشياء معناها واستمرارها. وتحمل الثقافة السعودية الحية جذورها وأصالتها من الماضي وهي تتجه للمستقبل بثقة؛ حين تستعيد مفردات العمارة الطينية في تصميم حديث وتدخل زخارف التراث في الفنون المعاصرة والأزياء والتصميم الداخلي يصبح التراث مادة حية قابلة للإبداع والتطوير، والمهمة اليوم أن يعرف أبناؤنا أسماء الأشياء ويفهموا فلسفتها وما وراءها، لماذا بني البيت هكذا؟ ولماذا كانت للقهوة هذه المكانة؟ ولماذا نقش الجدار بهذه الطريقة؟. وتفاصيل تروي حكايتنا؛ فهي موزعة في تفاصيل الحياة كلها بيت طيني دافئ وروشان يطل على زقاق ضيق ونقش جنوبي يزين مجلسا ودلة قهوة تفوح بالهيل وثوب مطرز يحكي قصة امرأة وقصيدة تختزل حكمة وصف عرضة يهز القلوب وحرفة يد صبورة ومائدة أهل عامرة. وحين نراها اليوم وهي تستعاد ويُحتفى بها في مشاريع وزارة الثقافة وهيئة الأزياء وهيئة فنون الطهي ومبادرات رؤية 2030 ندرك أن المكان لا يحتفظ بالحكاية وحده فالإنسان يحملها معه يرويها ويجددها ويبقيها حية جيلا بعد جيل.






