عاجل
٣٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الثلاثاء، 16 يونيو 2026
الرياض +18°C

وداع عبداللطيف بن محمد بن سليمان: سيرة طيبة وبقاء الأثر

26/05/2026 01:03

معنى الفقدان في النفوس

مات فلان جملةٌ بسيطة في لفظها، عظيمةٌ في معناها، فاجعةٌ في وقعها، مريرةٌ في حقيقتها. فالموت حقيقةٌ ثابتة وحتمية كتبها الله جل جلاله على جميع خلقه، ولم يُستثنَ منها أحد، لكن النفس البشرية تعجز عن استيعابها، ويصعب عليها تقبّلها وتخيّلها رغم يقينها بها.

وفي قصص الأنبياء – عليهم السلام – نجد صورًا كثيرة للحزن الإنساني، حتى نبينا ورسولنا محمد – صلى الله عليه وسلم – عاش عامًا عُرف بـ(عام الحزن) إثر وفاة زوجته خديجة – رضي الله عنها – وعمه أبي طالب، وكذلك بكى عليه الصلاة والسلام في وقت لاحق عند وفاة أبنائه.

تفاصيل الخبر المؤلم

هذه المقدمة ليست إلا تمهيدًا لفاجعة صوت ذلك الطبيب في عصر يوم الخميس الماضي 21 مايو 2026، وهو يبلغني بنبأ رحيل أبي/ عبداللطيف بن محمد بن عبدالعزيز بن سليمان – رحمه الله – بعد قرابة (ثمانية أشهر) فقط من رحيل والدتي/ نوف بنت محمد بن سعيد – رحمها الله -.

انعقد لساني حينها، وبرقت عيناي وغرقتا بالدموع، ومرّ عليّ شريط كل الذكريات والمواقف التي جمعتني به في لحظةٍ واحدة، حتى شعرت وكأن الأرض توقفت عن الدوران، وأصبحت الأصوات من حولي تمرّ دون أن أسمع منها شيئًا، ولم أرد سوى سماع تلك الجملة (تعال نتقهوى يبوي). وفي اللحظة التي انكشف فيها وجهه للمرة الأخيرة، ورأيت تلك الملامح التي ألفتها وأحببتها عمرًا كاملًا، كان النظر إليه أثقل من أن تحتمله الروح، فألهمني الله سبحانه وتعالى حينها قوله تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

سيرة عبداللطيف وأثره الطيب

والله إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا الحي القيوم، وإنّا لفراقك يا عبداللطيف لمحزونون. والحمد لله في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، ولك الحمد على كل حال من قبل ومن بعد.

رحل – يرحمه الله – عن الدنيا، لكنه بقي في الذاكرة وكأن حضوره لم ينقطع يومًا، لأن الأثر الحقيقي لا تصنعه السنوات بقدر ما تصنعه الأخلاق والمواقف. وقد ظهر ذلك الأثر الطيب جليًا في المسجد وقت الصلاة عليه، وفي مجلس العزاء، حين امتلأ المكان بالمحبين والمعزين، جزاهم الله خير الجزاء وشكر سعيهم.

ارتبط اسم والدي عبداللطيف – يرحمه الله – بحسن المعشر، وطيب الخلق، وسعة الصدر. وكان ممن يمتلكون قدرة نادرة على احتواء الناس، والتعامل مع الجميع بروح هادئة وقلب متسامح، بعيدًا عن صغائر الأمور وضجيج الخلافات العابرة، لم يكن حضوره قائمًا على الصخب، بل على الاحترام والمحبة التي يزرعها في كل مجلس وكل لقاء.

عرفه الناس بكرم النفس قبل كرم اليد، وبابتسامته الدائمة التي تختصر كثيرًا من معاني الود، وبحرصه على أن يكون قريبًا من الجميع دون تكلف أو تصنّع. ومن الصفات التي التصقت بسيرته ترّفعه عن الإساءة، وحرصه على جمع القلوب لا تفريقها، حتى أصبح نموذجًا في حسن التعامل والخلق الرفيع.

كان ممن يتركون أثرًا مريحًا في النفوس، ولذلك لم يكن غريبًا أن يبقى حضوره حيًا رغم الغياب، وأن تستمر سيرته في المجالس والقلوب بكل المحبة والوفاء.

رحل عبداللطيف عن عالمنا، ولم يطل به المرض، وكأن الله سبحانه وتعالى أراد له الرحيل سريعًا إلى رحمته بعد حياةٍ امتلأت بالطيبة وحسن الأثر، لكن الأرواح الجميلة لا تغيب بالكامل، بل تبقى عالقةً في الذاكرة بما قدمته من خير ومحبة وإنسانية، وسيظل اسمه حاضرًا في أذهان من عرفوه، ليس مجرد شخص عابر في حياتهم، بل إنسانًا ترك أثرًا طيبًا يصعب نسيانه.

ويُرفق الخبر بصورةٍ تُظهر المشهد.

رحم الله عبداللطيف بن محمد بن سليمان رحمةً واسعة، وغفر له، وأسكنه الفردوس الأعلى من جناته، ونوّر قبره، وآنس وحشته، وجعل ما تركه من أثر طيب، ومحبة صادقة، وذِكر حسن في قلوب الناس شاهدًا له لا عليه، وجعل ما أصابه تكفيرًا لذنوبه ورفعةً في درجاته، اللهم إنه صبر على البلاء، فامنحه درجة الصابرين الذين يوفون أجورهم بغير حساب يا رب العالمين وأذقه من النعيم ما وعدت به المؤمنين الصابرين.

للنشر و الاعلان