عاجل
١ محرم ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 17 يونيو 2026
الرياض +18°C

تعزيز الهوية الوطنية السعودية بين التخيل المشترك والوطنية السلوكية

28/05/2026 01:07

الهوية الوطنية لا تترسخ بمجرد الكلام والشعارات، بل تتطلب مجموعة من الأدوات التي تجعل “التخيل” حياً وملموساً. من أبرز هذه الأدوات التعليم، حيث إن قراءة جميع الطلاب في مختلف مناطق المملكة للتاريخ نفسه والقصص الوطنية ذاتها توحد “ذاكرتهم”. كما تُعد الرموز الوطنية “مكثفات” تمكن ملايين الأشخاص من الشعور بالنشوة الوطنية الإيجابية في اللحظة ذاتها. المناسبات مثل “يوم التأسيس” أو “اليوم الوطني” تمثل لحظات يتخيل فيها الجميع أنهم يقفون في صف واحد خلف حكاية واحدة.

توسيع دائرة التخيل المشترك

في مرحلة ما يُسمى “السيولة”، كان التخيل محصوراً في القبيلة أو القرية، حيث يتخيل الشخص فقط من تربطه بهم صلة دم أو مجاورة. أما في مرحلة “التشكل”، فقد نجحت الدولة السعودية في توسيع دائرة التخيل لتشمل الخريطة الكبرى، وأصبح السعودي يرى نفسه جزءاً من “سردية كبرى” بدأت من التأسيس وصولاً إلى الرؤية المستقبلية. التخيل المشترك هو “الرابطة الوثيقة” غير المرئية التي تجعل ملايين الغرباء يشعرون أنهم عائلة واحدة، لهم مصير واحد وقصة واحدة يحكونها للعالم. هذا التخيل يزداد قوة من خلال المشاريع المستقبلية، مقارنة بالاعتماد على التاريخ وحده.

الوطنية السلوكية ممارسة يومية

على صعيد آخر، ينبغي أن تصبح “الوطنية السلوكية” لدى الأجيال الجديدة ممارسة يومية لا مجرد شعار. تحويل الوطنية من “عاطفة في القلب” أو “شعار على اللسان” إلى “سلوك في الميدان” يمثل التحدي الكبير. الوطنية السلوكية هي التي تحمي المكتسبات وتصنع الحضارات. لتعزيز هذا المفهوم، نحتاج إلى استراتيجيات تتجاوز التلقين التقليدي إلى “الممارسة والقدوة”، عبر مسارات عدة.

أولاً: ربط المصلحة الخاصة بالمصلحة العامة، فلن يمارس النشء الوطنية كفعل يومي إلا إذا أدرك أن الحفاظ على النظام العام يعود بالنفع المباشر على جودة حياته الشخصية. ويتحقق ذلك حينما تحول قصص النجاح الوطنية إلى مكاسب ملموسة توصل رسالة مفادها أنه “حينما يزدهر وطني، تتوفر لي وظيفة أفضل، وبيئة أكثر أماناً، ومكانة دولية أفتخر بها”.

ثانياً: غرس “ثقافة الملْكية”، فالوطنية السلوكية تبدأ حينما يشعر النشء أن الحديقة العامة مثلاً هي “حديقته”، وأن سمعة بلده في الخارج هي “سمعته الشخصية”. يمكن تفعيل ذلك من خلال برامج التطوع المجتمعي الممنهجة، مما يولد لديهم شعوراً بأنهم “شركاء” في البناء وليسوا مجرد “متلقين” للخدمات.

ثالثاً: تحويل الرموز إلى “أخلاقيات عمل” من خلال ربطها بقيم مثل الإتقان والنزاهة والمسؤولية، وهنا تصبح الوطنية “معياراً للجودة” في السلوك الفردي.

رابعاً: أنسنة التاريخ والقدوة، من خلال إبراز نماذج من المواطنين العاديين الذين قدموا سلوكيات وطنية ملهمة كالمخترع والمسعف والمواطن الذي حافظ على البيئة. فرؤية “قدوة حية” تمارس الوطنية في حياتها اليومية أشد تأثيراً من مئات الخطب.

خامساً: المواطنة الرقمية الواعية، حيث إن الأجيال الجديدة تقضي جل وقتها في الفضاء الرقمي، والوطنية السلوكية يجب أن تمتد لتشمل “الأخلاق الرقمية”، من خلال الدفاع عن الوطن بالحقائق ونبذ الشائعات وتقديم صورة مشرفة عن الشخصية السعودية. فالسلوك الرقمي الرزين هو “خط دفاع” وطني لا يقل أهمية عن غيره.

سادساً: تفعيل مبادئ العدالة والشفافية والتنافسية الشريفة في بيئة الفرص المتاحة، فلا يمكن مطالبة النشء بوطنية سلوكية إذا كان يرى تناقضاً في هذا الصدد. فحينما يرى الشاب أن “النظام” يطبق على الجميع وأن “الكفاءة” هي معيار الصعود، سيتولد لديه ولاء سلوكي تلقائي للنظام والقانون.

الوطنية السلوكية عقد اجتماعي غير مكتوب

من هذه المنطلقات، يتضح أن الوطنية السلوكية هي وعي مستمر ودائم بالمسؤولية، واحترام جاد للنظام، وبناء مؤسساتي وتنمية مستدامة. إنها “عقد اجتماعي” غير مكتوب يتحول فيه الحب الفطري للوطن إلى “بوصلة أخلاقية” تحرك الفرد في كل تصرفاته، من رمي النفايات في سلتها إلى الإبداع في أدق تفاصيل عمله الوظيفي.

لذا، ينبغي أن تركز المناهج التعليمية بصورة أعمق على “الجانب السلوكي” للوطنية وتعزيز “التخيل المشترك”، وألا تبقى أسيرة للجانب التاريخي وحده. “التخيل المشترك” المطلوب يزداد قوة من خلال المشاريع المستقبلية المشتركة مقارنة بالاعتماد على التاريخ وحده، وهذا هو جوهر الفلسفة الوطنية المعاصرة. نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة رسم “تخيلنا” الجمعي عما يمكن أن نكون عليه مستقبلاً. التاريخ هو “الجذور” التي تمنحنا الشرعية والاستقرار، غير أن المشاريع المستقبلية هي “الساق والأغصان” التي تمنحنا الارتفاع والقدرة على مواجهة الرياح. التاريخ يجمعنا على “الذكرى” الغالية، غير أن الارتكان على التاريخ وحده قد يجعل الهوية الوطنية “متحفية”؛ نعتز بها لكننا لا نتحرك بها. فالتاريخ يقول لنا: “انظروا من أين جئنا”، وهو أمر حيوي لتعزيز الثقة، أما المستقبل فيجمعنا على “المصير”. المشاريع الكبرى تخلق نوعاً من التخيل المشترك هو أشد قوة ومتانة؛ لأنها تعتمد على “الكدح الجماعي”. حينما يشعر المواطن في الشمال والجنوب والشرق والغرب والوسط أن نجاح مشروع “نيوم” أو “المربع الجديد” سيغير واقع جودة حياته وحياة أبنائه، فإنه يتخيل نفسه شريكاً في “قصة نجاح” قيد الكتابة، لا مجرد وارث لقصة كتبت سابقاً.

المشاريع المستقبلية تحول الهوية من “حالة وجدانية” (نحن نحب الوطن) إلى “حالة حركية” (نحن نبني الوطن). هذا الانتقال من هوية الذاكرة إلى هوية الطموح هو الذي يجعل التخيل المشترك عابراً للأجيال والمناطق، لأنه يرتكز على “الأمل” وهو وقود أقوى من “الذكرى”.

التعليم بين التاريخ والسلوك

المشكلة ليست في “الجانب التاريخي” بحد ذاته، بل في تقديمه كقصة صماء. المنهج التعليمي الناجح هو الذي يربط التاريخ بالسلوك، أي يطرح سؤالاً: “بما أن أجدادنا ضحوا من أجل توحيد هذه الأرض، فما هو واجبي السلوكي اليوم للحفاظ على ثمار هذه التضحية؟”.

أخيراً، إن المستقبل القريب، كما تجسده رؤية السعودية 2030، هو ما يمنح الهوية الوطنية ديناميكيتها وحيويتها. ولذلك ينبغي أن تتحول المناهج التعليمية من مجرد “راوية للقصص” إلى “صانعة للشخصية”، ومن “استحضار الذاكرة” إلى “بناء السلوك”، ومن “حفظ التاريخ” إلى “المشاركة الواعية في صناعة المستقبل”.

للنشر و الاعلان