عاجل
٢٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الجمعة، 12 يونيو 2026
الرياض +20°C

مفهوم «السرد العابر للوسائط»: من الترفيه إلى التسويق والسياسة في العصر الرقمي

12/06/2026 01:02

برز مفهوم «السرد العابر للوسائط» في خضم التحولات الرقمية المتسارعة وانتشار الإنترنت، إضافة إلى تزايد تداخل قطاعات الإعلام المختلفة. ويُقصد به بناء حكاية أو عالم قصصي واحد عبر مجموعة من الوسائط الإعلامية المتنوعة، حيث يسهم كل وسيط في إضافة جزء جديد ومختلف عن القصة، بدلاً من مجرد تكرار المحتوى نفسه. فمثلاً، يقدم الفيلم جانباً من الحكاية، فيما تضيف الرواية شخصيات أو أحداثاً غير مسبوقة، وتكشف لعبة الفيديو عن تفاصيل إضافية، وتقدم المواقع الإلكترونية أو منصات التواصل الاجتماعي امتدادات أخرى للعالم القصصي. وفي الغالب، لا تتكامل الصورة النهائية إلا بمتابعة هذه الوسائط المتباينة معاً.

النشأة الأكاديمية للمفهوم

ظهر هذا المفهوم بصورة واضحة في العام 2003 عندما استخدم الباحث الأميركي هنري جينكنز مصطلح «السرد العابر للوسائط» (أو سرد الترانسميديا)، ثم قام بتطويره بشكل أوسع في كتابه المعروف «ثقافة الاندماج» الذي صدر في العام 2006. ولاحظ جينكنز أن الشركات الإعلامية الكبرى لم تعد تقتصر على إنتاج فيلم أو مسلسل واحد، بل شرعت في بناء عوالم قصصية تمتد عبر السينما والتلفزيون والألعاب والكتب والمواقع الإلكترونية ومنصات التواصل.

امتداد التطبيق خارج حدود الترفيه

ومع مرور الوقت، تطور المفهوم من كونه محصوراً في الترفيه وصناعة الأفلام ليغزو مجالات أخرى، حيث دخل إلى التسويق والعلاقات العامة والتعليم والصحافة والاتصال السياسي. وأصبح الباحثون والممارسون يتحدثون عن حملات اتصال متكاملة تستخدم منصات متعددة لسرد قصة مؤسسة أو علامة تجارية أو قضية اجتماعية، أو حتى قصة مرشح سياسي، أو حملات توعية، وغير ذلك من المجالات.

التمييز بين الترانسميديا والمفاهيم المشابهة

من المهم التفريق بين «السرد العابر للوسائط» (الترانسميديا) والمفاهيم القريبة منه. فالاقتباس، على سبيل المثال، يعني نقل القصة نفسها من وسيط إلى آخر، مثل تحويل رواية إلى فيلم، بينما يضيف السرد العابر للوسائط محتوى جديداً في كل وسيط. كما أنه يختلف عن «العرض المتعدد الوسائط» (ملتيميديا) بالمعنى التقليدي، الذي ينشر المحتوى بعدة أشكال مقروءة ومرئية ومسموعة ضمن منصة واحدة، في حين أن السرد العابر للوسائط يوزع القصة على منتجات ومنصات متفرقة ومستقلة عن بعضها.

تطبيقات عملية في التسويق والسياسة

في مجال التسويق، على سبيل المثال، تستخدم العديد من الشركات السرد العابر للوسائط لبناء قصص حول علاماتها التجارية. فبدلاً من الاعتماد على الإعلان التقليدي فقط، أصبحت الشركات تنشر أفلاماً قصيرة ومحتوى تفاعلياً وألعاباً ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي لتكمل بعضها بعضاً. وفي المجال السياسي، تستخدم بعض الحملات الانتخابية الفيديوهات والمواقع الإلكترونية ومنصات التواصل والتطبيقات الرقمية لسرد قصة متكاملة عن المرشح أو المشروع السياسي.

الانتقادات الموجهة للمفهوم

رغم الانتشار الواسع لمفهوم الترانسميديا، فقد تعرض لعدد من الانتقادات. من أبرزها أنه يقوم على قدر كبير من التفاؤل بشأن دور الجمهور وقدرته على متابعة القصة عبر منصات متعددة والمشاركة النشطة في تطويرها. إذ يرى بعض الباحثين أن هذا التصور لا يعكس واقع معظم الجمهور، حيث إن كثيراً من المتلقين يكتفون بمتابعة وسيط واحد ولا يملكون الوقت أو الرغبة للتنقل بين الأفلام والألعاب والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل من أجل استكمال القصة.

كما تعرض المفهوم لانتقادات تتعلق بارتباطه الوثيق بالأهداف التجارية والتسويقية. يرى المنتقدون أن العديد من مشروعات الترانسميديا لا تستهدف أساساً إثراء التجربة السردية بقدر ما تسعى إلى توسيع الأسواق وزيادة استهلاك المنتجات المرتبطة بالعلامة التجارية أو الامتياز الإعلامي. ومن هذا المنظور، يبدو أن «السرد العابر للوسائط» مجرد استراتيجية اقتصادية لتوزيع المحتوى عبر منصات متعددة وتحقيق مزيد من الأرباح، أكثر من كونه تحولاً ثقافياً أو سردياً خالصاً.

ومع ذلك، لا يزال مفهوم الترانسميديا يحظى بأهمية كبيرة في الصناعات الإعلامية والثقافية، كما يواصل جذب اهتمام الباحثين بوصفه إطاراً علمياً مهماً لفهم أشكال السرد والاتصال في البيئة الرقمية المعاصرة.

للنشر و الاعلان