يطرح الفيلسوف جان جاك روسو في كتابه “العقد الاجتماعي” فكرةً جوهرية تمس علاقة الإنسان بالمعرفة، مفادها أن تحصيل العلم لا يضمن بالضرورة تحلي صاحبه بالأخلاق. فهذا الربط التلقائي بين ازدياد المعرفة وسمو الأخلاق، الذي استقر في أذهان الكثيرين، ليس حقيقةً مطلقة. فكثيراً ما يُنظر إلى المثقف أو العالم على أنه أكثر حكمة واتزاناً، وكأن المعرفة تمنح تفوقاً أخلاقياً تلقائياً.
إشكالية الربط بين المعرفة والأخلاق
غير أن التأمل في الواقع يكشف أن هذا الافتراض ليس قاعدة ثابتة. فكم من حاملي الشهادات العليا أخفقوا في الارتقاء بأخلاقهم، بينما نجد في المقابل أشخاصاً قليلي التعليم، بل حتى أميين، يتحلون بأسمى القيم الإنسانية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تنتج المعرفة إنساناً أخلاقياً بالضرورة، أم أن الأخلاق والمعرفة مساران مستقلان قد يلتقيان وقد يفترقان؟
المعرفة أداة حيادية في يد الإنسان
المعرفة في ذاتها تضفي على الإنسان نوعاً من الاعتلاء، حتى في السياقات الدينية نجد أن القرآن لا يضع الذين يعلمون والذين لا يعلمون على كف المساواة. لكن يجب أن ندرك أن المعرفة لا تزكي أصحابها بالضرورة؛ فهي في جميع صورها (علم، ثقافة، فكر) تتسم بالحيادية، إذ هي أدوات يضعها الإنسان في خدمة إرادته، ويمكن استخدامها للبناء كما يمكن استخدامها للهدم. فعلى سبيل المثال، قد يسخر إنسان معرفته لتعليم أطفال في قرى نائية فقيرة دون مقابل، فتصبح المعرفة رسالة إنسانية سامية. بينما قد يسخرها آخرون لتحقيق مصالحهم الشخصية أو لإشباع شهوة الشهرة ولو كان الثمن باهظاً على الآخرين.
أمثلة تاريخية ودروس قرآنية
ويشير غاندي إلى أن من بين خطايا العالم السبع خطيئتين تجسدان هذه الفكرة بوضوح: “المعرفة بلا أخلاق” و”العلم بلا إنسانية”. ولعل المثال الأبرز هو العالم روبرت أوبنهايمر الذي قاد مشروع القنبلة الذرية؛ ففي لحظة تحولت المعادلات الفيزيائية من رموز جامدة إلى سحب نووية ابتلعت مدناً كاملة، وأصبحت المعرفة مفتاحاً لكارثة تاريخية. والمفارقة أن ضميره الأخلاقي لم يستيقظ إلا بعد أن رأى حجم الدمار.
وهناك مفهوم “الغطرسة المعرفية” أو “Intellectual Arrogance”، وهو شعور متضخم بالتفوق المعرفي يدفع البعض إلى التعالي على الآخرين، أو الاعتقاد بأن كثرة المعرفة تمنحهم قيمة إنسانية أعلى. ويمكن ملاحظة هذا السلوك في أوساط أكاديمية وداخل الجامعات، حيث تتحول المعرفة أحياناً من وسيلة تنوير إلى أداة تفاخر.
وفي القرآن نجد قصة قارون حين قال: “إنما أوتيته على علمٍ عندي”، فبدلاً من أن تستنهض المعرفة أخلاقيات التواضع والامتنان، تحولت إلى نقيض ذلك. فالمعرفة وحدها لا تكفي لإكساب البعد الأخلاقي؛ ولذا فإن القرآن يقرن العلم بالحكمة في مواضع عديدة، فالحكمة هي البوصلة الأخلاقية التي توجه المعرفة إلى موضعها الصحيح. وجاء في وصف رسالة الأنبياء: “يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ”، في اقتران يوحي بأن العلم متى تجرد من الحكمة أصبح قوة عمياء، بينما الحكمة تشكل الوعاء الأخلاقي الذي يهذب المعرفة ويضبط غاياتها.
خلاصة من تراثنا
وفي ختام تأمله، يروي ابن حزم في “رسائل ابن حزم” مشاهداته قائلاً: “وقد رأيت من غمار العامة من يجري من الاعتدال وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه، ولكنه قليل جداً. ورأيت ممن طالع العلوم وعرف عهود الأنبياء عليهم السلام ووصايا الحكماء، وهو لا يتقدمه في خبث السيرة وفساد العلانية والسريرة شرار الخلق، وهذا كثير جداً، فعلمت أنهما مواهب وحرمان من الله تعالى”.






