في المقالين السابقين، جرى التطرق إلى دلالات مفهوم الذات لدى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو بين ما هو واجب وما هو واقع. وأوضح فوكو أن النموذج الهيليني يمثل الذات الحرة الواجبة، بينما يمثل النموذجان الأفلاطوني والمسيحي النماذج الواقعية المعاكسة. وبعد تفصيل خصائص كل نموذج في مقابل النموذج الهيليني، يبين فوكو أن الخلل نشأ من حجب النموذجين الواقعيين لأصل النموذج الحر، بسبب تغير توجه النفس وغاية معرفتها؛ فلم تعد النفس تتجه نحو ذاتها، وصارت معرفة النفس مجرد شرط تأهيلي لغاية التدبير.
النموذج الأفلاطوني: الذات فاعل سياسي
في النموذج الأفلاطوني، تتجه الذات نحو الحقيقة وعالم الميتافيزيقيا الجواهر، وهو عملياً شرط للتدبير السياسي للمدينة، أي لشغل مكانة. فالذات هنا فاعل سياسي، يتجلى في شخصية بروتوجراس. ولتجنب الخلط بين الذات عند أفلاطون وعند الأفلوطينية، يذكر فوكو أن الأفلوطينية الجديدة قلبت تراتبية أفلاطون، وجعلت الاهتمام بالنفس أولاً، أما التدبير فهو من آثار هذا الاهتمام لا شرط له. وغاية هذا الاهتمام هي جعل الذات الخُلقية فوق الذات السياسية؛ لأن الاهتمام بالنفس أولاً هو الذي يغير الإنسان، وينعكس على أي دور لتدبير شؤون غيره. فالإنسان لا يُعرف من خلال دوره الاجتماعي، بل من خلال انعكاس نفسه في هذه الأدوار. فلا يُربى تربية إعداد لمكانة، بل تربية شاملة لذاته، والمكانة التي يعمل فيها بعد ذلك هي أثر من ذاته.
النموذجان الرواقي والأبيقوري: تحول الذات إلى ذاتها
ينتقل فوكو إلى النموذجين الرواقي والأبيقوري في الحقبة الهيلينية، نظرياً وعملياً. فمن الناحية النظرية، تمثل المدرسة الرواقية والأبيقورية العقل النظري من خلال سينيكا وماركوس، حيث يتم تحول الذات إلى ذاتها عبر شرط معرفة العالم معرفة روحية. ومن آثار هذه المعرفة الممارسة العملية لتحول النفس عبر تقنيات الزهد والصراحة، وهي جملة إجراءات خطابية هدفها استعداد النفس لمواجهة الحدث الخارجي. فالخطاب الحقيقي عند فوكو ليس هو الملفوظات، بل هو الفعل والكلام في آن، وليس هو الاعتراف بل الصراحة. فقد يقول الإنسان شيئاً عن نفسه لكنه لا يعي قوله، لذا المهم هو كيف يتعامل ويتصرف حسب مطابقة أقواله لأفعاله. ويتم هذا التحول بالانتقال من المظاهر الخارجية إلى الداخل، وكشف جهل الذات، ومن ثم الحاجة للعناية بالذات لجهلها. وبعد هذا التحول الداخلي والعناية، تقاوم الأحداث، فهو تحول فعلي لا نظري أو حدسي.
النموذجان الأفلاطوني والمسيحي: ذات متجاوزة أو عابرة
على النقيض من ذلك، يتميز النموذج الأفلاطوني بذات متجاوزة، تتحول بالتذكر إلى الجواهر في عالم ميتافيزيقي، وبذا يُكوَّن المواطن الأمثل. أما النموذج المسيحي ففيه ذات عابرة نحو الإله، لتتطابق مع الحقيقة النصية وفق الوحي، لا أن لها كمالاً خاصاً بها، بل لخدمة الرؤية المسيحية وفق الطاعة والاعتراف بالخطايا. فالاعتراف هنا قد يتشابه ظاهرياً مع الصراحة الفلسفية، لكنه اعتراف لطلب الغفران لا لمعرفة الذات.
الاعتراف: طقس الحداثة الغربية وسلطة إنتاج الحقيقة
يواصل فوكو تناول موضوع الاعتراف في كتابه الآخر “إرادة المعرفة”، حيث يخص الحضارة الغربية. فالاعتراف طقس غربي في أصله، خصوصاً مع المسيحية للاعتراف بالذنب، بين شخصية المعترف المقر الخاضع، والمُعترف له دينياً في سلطة كنسية معينة. وانتقل هذا الطقس ليصبح سمة للحداثة الغربية، مع تحول معرفي كبير يمكن وصفه بإبستمولوجيا السلطة؛ حيث العلاقة بين معترف خاضع مراقب، ومستمع لديه سلطة ما، حسب أشكال السلط المبثوثة. ففي عصر ما قبل الحداثة كانت السلطة متمثلة في جهة ما، لكنها فيما بعد انتشرت في العلاقات وتشظت عبر المجالات، لتنتج شبكة ضخمة من العلاقات السلطوية. يقول فوكو: “الاعتراف طقس خطاب تتطابق فيه الذات المتكلمة مع الملفوظات؛ فهو طقس ينتشر في علاقة سلطة…”. وبناءً عليه، تتشكل الذات في العصر الحديث بالاعتراف؛ بوصفه طقساً إجرائياً لتوثيق خطاب الحداثة. فالذات تعترف بما فعلت وتظنه حقاً، لكن الحكم على هذا الاعتراف من قِبل المستمع صاحب السلطة، فهو الذي يحكم بحقيقة القول أو ما خلفه من حقيقية –كما في سلطة المحلل النفسي–، وقد سماه فوكو سيد الحقيقة، ووظيفته التأويل من خلال فك رموز ما ألقي إليه من المُعْتَرِف، ومن ثم شكل خطاباً للحقيقة في تلك الواقعة. فالاعتراف علامة لا دليل، وبناءً على هذا الخطاب المشكل سلطوياً يُحكم على المُعْتَرِف. فالاعتراف هو الإطار العام الذي يحكم إنتاج خطاب الحقيقة في الحداثة الغربية، وبه إمكانية تشغيل إجراءات الاعتراف في التكوين المنتظم لخطاب علمي. وقد أظهر فوكو رؤيته هذه في تحليل –تحكمي– وهو تحليل خطاب الجنسانية.






