عاجل
١ محرم ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 17 يونيو 2026
الرياض +18°C

الفتوحات الإسلامية في ميزان التاريخ: إعادة قراءة بعيداً عن مفاهيم الحاضر

20/05/2026 19:02

في تحليل جديد للفتوحات الإسلامية، يدعو الكاتب إلى إعادة النظر فيها من منظور الصراع الإمبراطوري الذي ساد العالم القديم، لا من خلال عدسات أخلاقية معاصرة. ويؤكد أن الجيوش العربية لم تكن تواجه شعوباً بسيطة أو أتباع أديان، بل كانت تتصادم مع قوات عسكرية تابعة لإمبراطوريات كبرى مثل الفارسية والرومانية.

منطق الإمبراطوريات في تفسير الفتوحات

فعمرو بن العاص، عندما قاد جيوشه نحو مصر، لم يكن يحارب الأهالي المسيحيين العاديين، بل كان يواجه جيوش الإمبراطورية الرومانية المتمركزة هناك. ونتيجة لذلك، لم ينظر المصريون والأقباط إلى الجيوش العربية كـ«غزاة جدد»، بل رأوا فيها قوة جديدة قد تكون أقل قسوة من سيدهم الروماني القديم.

ويستند الكاتب إلى كتاب «الإمبراطوريات، منطق الهيمنة العالمية من روما القديمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية» للباحث الألماني هيرفريد مونكلر، الذي يميز بين الإمبراطورية والدولة. يقول مونكلر: «ليس هناك إمبراطورية تستطيع اتخاذ موقف حيادي إزاء القوى التي تنتمي إلى مجال نفوذها. وتأسيسا على ذلك، فإن الإمبراطورية مجبولة بقوة على عدم الاعتراف بحق هذه القوى في التدخل في شؤونها بنحو يماثل تدخلها. هذا الموقف الحيادي موجود فقط في إطار نظام عالم يتصف بنموذج الدول ذات السيادة».

الفرق بين الدولة والإمبراطورية

العالم القديم كان محكوماً بمنطق الإمبراطورية، وهذا التفريق حاسم لفهم الفتوحات الإسلامية. فالتوسع بالنسبة للإمبراطوريات الكبرى ليس استثناء بل شرط بقاء في عالم يعد مجالاً مفتوحاً للصراع على النفوذ والهيمنة، وبالدرجة الأولى صراع على البقاء والاستمرارية. التوسع الجغرافي وفق منطق الإمبراطورية لا يصح النظر إليه بمنطق أخلاقي مبسط؛ فالتوسع في العصور القديمة كان أحياناً ضرورة بنيوية لحماية الأطراف أو منع صعود المنافسين، والقوة التي تتعامل بمبدأ الحياد تتعرض للانكماش والتقهقر.

طرح السؤال: «لماذا لم يلتزم المسلمون بحدودهم؟» هو سؤال ساذج يعكس مفاهيم حديثة تُسقط على الماضي. في عالم لم يكن يعرف فكرة الحدود النهائية الثابتة، تحركت الجيوش الإسلامية نحو الشام لمواجهة حاميات وجيوش ونظام ضريبي وإدارة إمبراطورية قائمة، بينما لم ينظر السكان المحليون إليها كغزاة غرباء، بل كقوة جديدة قد تحررهم من السيطرة السابقة، ولم تواجه الجيوش مقاومة شعبية كما نعرفها في المجتمعات الحديثة.

الفتوحات كمشروع حضاري

الفتوحات الإسلامية كانت مشروعاً حضارياً شاملاً نشأ داخل عالم الإمبراطوريات الكبرى، لكنها اختلفت عن الإمبراطوريات الرومانية والفارسية في مصدر الشرعية والرؤية الكونية. الفتح الإسلامي المبكر حمل تصورات مختلفة نسبياً، حيث كان الانتماء دينياً لا عرقياً، والعربي وغير العربي يمكن أن يصبحا جزءاً من الأمة نفسها. الأهداف الرئيسة كانت نشر العقيدة الدينية الجديدة، أما المكاسب السياسية والاقتصادية فجاءت كنتائج تبعية.

الإمبراطورية الإسلامية خلقت فضاءً حضارياً متعدد الأعراق والأديان، منتجاً للعلم والمعرفة والهندسة المعمارية، وصنعت مزيجاً ثقافياً فريداً وتراكماً حضارياً وشبكات معرفة واسعة، شاركت فيها شعوب ذات أصول مختلفة.

دعوة لتفهم السياق التاريخي

ختاماً، لا يمكن فهم الفتوحات الإسلامية بأدوات وعقلية المجتمعات المعاصرة أو باعتبارها رسالة روحية خالصة، بل كظاهرة دينية حضارية تشكلت داخل نظام عالمي يحركه منطق الإمبراطورية، حيث كان التوسع والقوة جزءاً من طبيعته وتكوينه.

للنشر و الاعلان