تفتح الإمكانات الهيدروكربونية غير المستغلة في المناطق البحرية الليبية، إلى جانب ما تمتلكه تركيا من قدرات متطورة في مجال المسح الزلزالي في أعماق البحار، آفاقاً جديدة للشراكة بين البلدين في قطاع الطاقة.
وصرح موسى الكوني، نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، في تصريحات سابقة للأناضول، أن مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين بشأن مناطق الصلاحية البحرية تستند إلى القانون الدولي. وكان مجلس النواب الليبي صادق في 20 أكتوبر الماضي على مذكرة التفاهم الموقعة بين ليبيا وتركيا عام 2019 بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية، مما أثار ردود فعل واسعة في أثينا. وأشار الكوني إلى أن الجزء الأكبر من موارد ليبيا لا يزال غير مكتشف، مؤكداً ضرورة أن تعمل تركيا وليبيا على تسريع التنسيق فيما يتعلق باستكشاف النفط والغاز الطبيعي واستخراجهما.
ويرى خبراء ليبيون أن الاتفاقية توفر فرصاً استراتيجية واسعة، بدءاً من الاستكشافات الهيدروكربونية وتطوير الحقول البحرية، وصولاً إلى تحويل البلاد إلى وجهة جاذبة للاستثمارات العالمية وتنشيط الاقتصاد الوطني. وفي هذا التقرير، الذي أعدته الأناضول من خلال خمسة أسئلة رئيسية، تستعرض الوكالة الإمكانات الطاقية الكبيرة غير المستغلة في ليبيا، سواء في البر أو في المناطق البحرية، إلى جانب ما تمتلكه تركيا من خبرات وقدرات في مجال المسح الزلزالي في أعماق البحار.
ما حجم موارد الطاقة غير المكتشفة في ليبيا؟
وفقاً لتقارير صادرة عن المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا ومراكز بيانات الطاقة الدولية، فإن نحو 70% من الأراضي ومناطق الصلاحية البحرية الليبية لم تخضع بعد لمسح زلزالي شامل أو أنشطة استكشافية تفصيلية، ويقع جزء كبير من هذه الموارد غير المكتشفة في المناطق البحرية. وتشير بيانات المؤسسة الوطنية للنفط وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن ليبيا تمتلك احتياطيات مؤكدة تبلغ 48.4 مليار برميل من النفط الخام، ونحو 1.5 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي وتحتل ليبيا المرتبة الأولى في أفريقيا، وتأتي ضمن قائمة الدول العشر الأولى عالمياً من حيث احتياطيات النفط المؤكدة، كما تحتل المرتبة الحادية والعشرين عالمياً من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة. وبحسب خبراء في المؤسسة الوطنية للنفط، قد يصل إجمالي الإمكانات النفطية في ليبيا إلى 90 مليار برميل، مع إجراء عمليات المسح الزلزالي في الحقول النفطية غير المكتشفة التي يقع معظمها في المناطق البحرية. وتشير التقديرات إلى أن إمكانات النفط غير المكتشفة ضمن النطاقات البرية والبحرية التابعة لليبيا تضاهي احتياطياتها المؤكدة حالياً، في حين يُعتقد أن حجم الغاز الطبيعي المحتمل يتجاوز ثلاثة أضعاف احتياطياتها القائمة.
كم عدد سفن الأبحاث الزلزالية التي تمتلكها تركيا وما مواصفاتها؟
بفضل قدراتها في مجالي الاستكشاف والتنقيب عن الهيدروكربونات في البحار المفتوحة، باتت تركيا تمتلك اليوم رابع أكبر وأحدث أسطول للطاقة البحرية على مستوى العالم ويضم الأسطول تسع سفن، هي سفن التنقيب فاتح وياووز وقانوني وعبد الحميد خان وتشاغري باي ويلدريم، وسفينتا الأبحاث الزلزالية بربروس خير الدين باشا وإم تي إيه عروج ريس، بالإضافة إلى أول منصة عائمة لإنتاج الغاز الطبيعي في تركيا وهي منصة عثمان غازي. ويؤدي هذا الأسطول، الذي طُوّر وفقاً لاستراتيجيات وضعتها وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية، دوراً فاعلاً في مناطق الصلاحية البحرية التركية وفي مشاريع عابرة للقارات أُنشئت من خلال شراكات دولية. وتُعد سفينة إم تي إيه عروج ريس، وهي سفينة أبحاث مجهزة بالكامل صُنعت في تركيا بموارد محلية، قادرة على إجراء مسوحات زلزالية ثنائية وثلاثية الأبعاد في أعماق البحار، مما يتيح رسم خرائط للهياكل الجيولوجية تحت قاع البحر على أعماق تصل إلى آلاف الأمتار. أما سفينة بربروس خير الدين باشا، وهي أول سفينة في أسطول الاستكشافات الزلزالية التركي، فقد أجرت مسوحات غطت مئات الآلاف من الكيلومترات المربعة في البحرين المتوسط والأسود، مستفيدة من قدرتها على جمع بيانات زلزالية ثنائية وثلاثية الأبعاد عبر مساحات شاسعة. وتتكامل سفينتا الأبحاث الزلزالية مع أسطول سفن التنقيب في أعماق البحار، التي تتولى تنفيذ عمليات الحفر في أعماق البحار. وتستخدم البيانات التي تجمعها سفن الأبحاث الزلزالية في تحديد الهياكل الجيولوجية التي قد تحتوي على موارد هيدروكربونية، وفي التخطيط لعمليات الحفر في أعماق البحار.
ما إنجازات سفن الأبحاث الزلزالية التركية في الاستكشافات؟
تعد سفن الأبحاث الزلزالية التركية الركيز الأساسية لاستراتيجية البلاد الرامية إلى تحقيق الاستقلال في مجال الطاقة، وذلك بفضل ما حققته من نجاحات في عمليات الاستكشاف وما اكتسبته من خبرات تشغيلية. وقد مكنت عمليات المسح ورسم الخرائط المكثفة، التي أجرتها سفينتا بربروس خير الدين باشا و إم تي إيه عروج ريس في البحر الأسود وشرق البحر المتوسط، من تنفيذ استراتيجية تركيا للاستكشاف الهيدروكربوني في البحار المفتوحة بنجاح. كما أدت البيانات الزلزالية التي وفرتها هاتان السفينتان إلى تحقيق أكبر اكتشاف للغاز الطبيعي في تاريخ تركيا، وذلك في البحر الأسود. ومن خلال جمع بيانات زلزالية تغطي آلاف الكيلومترات عبر تضاريس قاع البحر المعقدة والصعبة في شرق البحر المتوسط، أثبت أسطول المسح الزلزالي التركي كفاءته في معالجة البيانات وتحليلها وفقاً للمعايير الدولية. وفي مهمة استغرقت 234 يوماً في الصومال، أجرت سفينة عروج ريس عمليات مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد غطت مساحة بلغت 4464 كيلومتراً مربعاً، موزعة على ثلاث مناطق بحرية منفصلة. وبعد أن حقق الأسطول قدرة تشغيلية عالمية، يواصل تنفيذ أنشطة المسح الزلزالي بنجاح، ليس فقط داخل مناطق الصلاحية البحرية التركية، بل أيضاً في مناطق مرخصة بمواقع جغرافية أخرى في إطار الاتفاقيات الدولية.
ما الاتفاقيات القائمة بين تركيا وليبيا بشأن الاستكشافات الهيدروكربونية؟
في 3 أكتوبر 2022، وقعت تركيا وليبيا مذكرة تفاهم في طرابلس تتعلق بالتعاون في مجال الهيدروكربونات. وتهدف هذه المذكرة إلى تسهيل الأنشطة العلمية والتقنية وأعمال الاستكشاف والحفر المشتركة بين الشركات التركية والليبية، وذلك ضمن النطاقات البرية والبحرية لكلا البلدين، بما في ذلك مناطقهما الاقتصادية الخالصة. وتعد مذكرة التفاهم المذكورة مكملة لمذكرة التفاهم المبرمة عام 2019 بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية بين تركيا وليبيا، مما يفتح آفاقاً أوسع للتعاون بين الدولتين. تجدر الإشارة إلى أن مؤسسة البترول التركية تمتلك تراخيص لاستكشاف حقول النفط في ليبيا تعود إلى ما قبل الحرب. كما حصلت مؤسسة البترول التركية، بالشراكة مع شركتي ريبسول الإسبانية و مول المجرية، على حقوق التنقيب في المربع البري C3 والمربع البحري O7.
هل هناك شراكات جديدة في مجال الطاقة قيد التخطيط بين تركيا وليبيا؟
يشير مسؤولون وخبراء ليبيون إلى أن مصادقة مجلس النواب على مذكرة التفاهم لعام 2019 بشأن مناطق الصلاحية البحرية فتحت الباب على مصراعيه أمام مشاريع طاقة مشتركة جديدة بين البلدين، سواء في المناطق البرية أو البحرية. وصرح موسى الكوني، نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، بأن مصادقة مجلس النواب على مذكرة التفاهم المتعلقة بمناطق الصلاحية البحرية تفتح الباب بالكامل أمام تركيا للمشاركة في مشاريع في جميع أنحاء ليبيا. وفي رسالة وجهها إلى شركات الطاقة التركية، قال الكوني إن تركيا ستكون شريكاً رئيسياً في هذا الصدد، معرباً عن أمله في أن تبادر قبل الدول الأخرى. وأضاف: نتوقع من الشركات التركية الكبرى والمعروفة أن تؤسس حضوراً لها في مختلف أنحاء ليبيا، لا سيما في هذه المرحلة، للمساهمة في عمليات استخراج النفط والغاز وتسويقها. وبالنظر إلى الإمكانات الهائلة وغير المستغلة للهيدروكربونات في ليبيا، سواء في البر أو في عرض البحر، وما تمتلكه تركيا من قدرات قوية في مجال المسح الزلزالي في أعماق البحار، فمن المتوقع نشوء شراكات وتعاون جديد بين البلدين في قطاع الطاقة.






