تشهد مالي تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، إذ تتسع رقعة الهجمات المسلحة لتقترب من العاصمة باماكو، في وقت تتعثر فيه جهود التسوية السياسية ويزداد الضغط على المجلس العسكري بقيادة أسيمي غويتا. هذه التطورات تعكس تحولاً في مسار الصراع، وفق ما يراه مراقبون.
هجمات متزامنة تضرب مواقع الجيش وتقترب من العاصمة
في الرابع من يوليو/ تموز الجاري، أعلن الجيش المالي تعرض مواقعه في أجلهوك وأنفيف وغاو وسيفاري شمالي البلاد لهجمات متزامنة، دون الكشف عن حجم الخسائر أو هوية الجهات المنفذة. ومن بين هذه الهجمات، استهداف سجن كينيوروبا الواقع على بعد نحو 70 كيلومتراً من العاصمة باماكو.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تنقل المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، مع استمرار العمليات العسكرية واتساع الضغوط على العاصمة، وتراجع فرص إحياء مسار التسوية السياسية الذي تعثر منذ انسحاب باماكو من اتفاق الجزائر للسلام.
وقال محمد المولود رمضان، الناطق باسم حركة تحرير أزواد، إن مقاتلي الحركة تمكنوا خلال أسبوع من المواجهات من إلحاق خسائر بالقوات المالية والقوات الروسية المساندة لها، رغم عدم تمكنهم من السيطرة على مدينة أنفيف التي كانت الهدف الرئيس للعمليات. وأضاف في تدوينة عبر فيسبوك في العاشر من يوليو/ تموز الجاري، أن عدم السيطرة على المدينة “لا يلغي ما تحقق من إنجازات ميدانية”، مؤكداً أن المعركة لم تنته بعد، وأن نتائج الحرب لا يمكن قياسها بنتائج جولة واحدة.
ضغوط معيشية على سكان باماكو مع اضطراب الإمدادات
وقال خبير في الشأن المالي يقيم في العاصمة باماكو، طلب عدم الكشف عن هويته لدواع أمنية، إن العاصمة لا تزال تواجه اضطراباً في خطوط الإمداد، ما انعكس على توفر السلع الأساسية وارتفاع أسعارها، إضافة إلى انقطاعات في بعض الخدمات. وأوضح في حديث للأناضول أن السلطات شددت الإجراءات الأمنية داخل المدينة، مع انتشار واسع لنقاط التفتيش وفرض قيود على الحركة ليلاً تحسباً لهجمات جديدة. وأضاف أن استمرار الحصار أدى إلى تزايد الضغوط المعيشية على السكان، فيما لجأت بعض التجمعات المحلية إلى التفاوض مع جماعات مسلحة لتأمين مرور البضائع وفتح الأسواق.
ويرى مراقبون أن أهمية الهجمات الأخيرة لا تكمن في اتساع نطاقها الجغرافي فحسب، بل في تزامنها مع استمرار استهداف طرق الإمداد، الأمر الذي يزيد الضغوط العسكرية والاقتصادية على السلطات في باماكو.
غياب وسيط موثوق يعرقل التسوية السياسية
وقال المحلل السياسي الموريتاني أحمد محمد المصطفى إن الصراع بين المجلس العسكري والجماعات المسلحة بات “أقرب إلى معركة صفرية”، في ظل تمسك كل طرف بخياراته وغياب مؤشرات على وجود أرضية مشتركة للحوار. وأضاف في تصريحات للأناضول أن العسكريين الحاكمين ماضون في خيار الحسم العسكري، في حين رفعت الجماعات المسلحة سقف مطالبها، سواء جبهة تحرير أزواد التي تسعى إلى بسط سيطرتها على شمال البلاد، أو جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي كثفت عملياتها ضد السلطات وتسعى لإسقاط نظام غويتا بشكل نهائي.
وأوضح المصطفى أن الهجمات الأخيرة تأتي ضمن استراتيجية تقوم على استنزاف القوات الحكومية وفرض ضغوط متزايدة على العاصمة ومحيطها، بما يضع المجلس العسكري أمام تحديات أمنية وسياسية متصاعدة. ووفق المصطفى، استعادت جبهة تحرير أزواد خلال هجمات 25 أبريل/ نيسان الماضي، التي قُتل فيها وزير الدفاع ساديو كامارا، مدينة كيدال التي تمثل رمزية خاصة في الوجدان الأزوادي، إذ اختارتها الحركات الأزوادية عاصمة للدولة التي أعلنتها عام 2012. واعتبر أن الهجمات الأخيرة شكلت فرصة لتوسيع نطاق سيطرتها في تلك المنطقة.
ويرى المصطفى أن أبرز ما يعرقل أي تسوية سياسية هو غياب وسيط يحظى بثقة جميع الأطراف. وأوضح أن الجزائر، التي رعت اتفاق السلام عام 2015، أصبحت متهمة من جانب السلطات المالية بدعم الحركات المسلحة، وهو ما أفقدها دور الوسيط، فيما تواجه أطراف دولية أخرى اتهامات مماثلة بالانحياز، الأمر الذي يحد من فرص تقريب وجهات النظر. وأضاف أن ذلك يدفع جميع الأطراف إلى مواصلة الاستعداد لجولات جديدة من القتال، بدلاً من العودة إلى طاولة المفاوضات.
آفاق المواجهة: نحو مزيد من التصعيد
وتُعد جبهة تحرير أزواد تحالفاً سياسياً وعسكرياً يضم عدداً من الحركات الأزوادية في شمال مالي، وأُعلن عن تأسيسه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، عقب إعلان الحكومة المالية انسحابها من اتفاق السلم والمصالحة (اتفاق الجزائر) الموقع عام 2015. وجاء تأسيس الجبهة بهدف توحيد الفصائل الأزوادية سياسياً وعسكرياً، بعد انهيار مسار التسوية مع باماكو، وتطالب بمنح إقليم أزواد وضعاً سياسياً يضمن حق سكانه في إدارة شؤونهم، بينما تتهمها الحكومة المالية بالسعي إلى الانفصال. وتسيطر الجبهة أو تنشط في أجزاء واسعة من شمال مالي، ولاسيما في مناطق كيدال وغاو وتمبكتو، وتخوض مواجهات متكررة مع الجيش المالي والقوات الروسية الداعمة له. وتبلغ مساحة منطقة أزواد نحو 822 ألف كيلومتر مربع، أي ما يقارب ثلثي مساحة مالي، وتعد مدينة كيدال أبرز معاقل الحركات الأزوادية ورمزها السياسي والعسكري.
وفي مايو/ أيار الماضي، قال مسؤول الإعلام في جبهة تحرير أزواد بوبكر ولد الطالب للأناضول إن الجبهة منفتحة على مختلف الحلول السياسية، بما في ذلك خيار الكونفدرالية، إلا أن هذا الطرح لم يلق استجابة من السلطات المالية.
ويحظى الجيش المالي بدعم قوات روسية تعمل ضمن ما يعرف بـ”الفيلق الإفريقي” التابع لوزارة الدفاع الروسية، والذي حل محل التشكيلات العسكرية الروسية الخاصة التي كانت تنشط في البلاد خلال السنوات الماضية. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أفاد تقرير بثه التلفزيون الرسمي الروسي بأن عناصر من “الفيلق الإفريقي” ينتشرون في ست دول إفريقية، بينها مالي، في إطار مهام عسكرية لدعم الحكومات الحليفة لموسكو.
ويرى مراقبون أن تزامن اتساع الهجمات المسلحة مع تعثر المسار السياسي وغياب وسيط مقبول من جميع الأطراف، يجعل احتمالات استمرار المواجهة العسكرية أكبر من فرص التوصل إلى تسوية في المدى المنظور. ومع استمرار الضغوط على العاصمة واتساع نطاق العمليات العسكرية، تبدو الأزمة المالية مرشحة لدخول مرحلة أكثر تعقيداً، في ظل تمسك جميع الأطراف بخياراتها الميدانية.
يُذكر أن أسيمي غويتا أطاح بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا في انقلاب عسكري قاده في 18 أغسطس/ آب 2020، قبل أن يتولى لاحقاً قيادة المرحلة الانتقالية.






