عاجل
٣٠ محرم ١٤٤٨ هـ| الخميس، 16 يوليو 2026
الرياض +21°C

القوة الناعمة من داخل المستطيل الأخضر: كيف توحد الرياضات العالمية الشعوب وتعزز الهوية الوطنية

16/07/2026 15:02

الرياضة كأداة للقوة الناعمة والدبلوماسية الشعبية

تُعتبر الفعاليات الرياضية العالمية من أبرز وسائل القوة الناعمة والدبلوماسية الشعبية؛ فهي تجمع بين الشعوب، وتنمي مشاعر الفخر الوطني، وتعزز التماسك الاجتماعي حتى في المجتمعات الأكثر انقسامًا، besides تسهم في صياغة تجارب ثقافية وإنسانية مشتركة.

تشير البحوث إلى أن الرياضات الجماعية، على عكس الفردية، تولّد إحساسًا أعمق بالانتماء والهوية الوطنية الجامعة، وتقلّ خلالها الفوارق الاجتماعية والسياسية والثقافية. كما أن مشاركة المنتخبات الوطنية في البطولات الإقليمية والعالمية تصنع لحظات وطنية جامعة يشعر فيها المواطنون بالفخر والانتماء، ما ينعكس إيجابًا على مشاعر الوحدة الوطنية.

عندما يخوض المنتخب الوطني مباراة، يتوحد الجميع تحت راية هوية وطنية جامعة، تترسخ خلالها قيم الانتماء، وتزداد مساحات التفاعل بين أفراد المجتمع من خلفيات متنوعة. ويُنظر إلى الفوز على أنه إنجاز وطني، بينما تُعدّ الخسارة مسؤولية جماعية يتقاسمها الجميع.

أمثلة تاريخية: كأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا وكأس العالم 2022 في قطر

ويُظهر تاريخ بطولات كأس العالم العديد من النماذج التي ساهمت في توحيد مجتمعات منقسمة، وسلطت الضوء على دول كانت أقل حضورًا في الساحة الدولية، بالإضافة إلى إعادة تشكيل الصورة الذهنية عنها.

ويمثّل كأس العالم لكرة القدم الذي أقيم في جنوب أفريقيا عام 2010 أحد أبرز هذه النماذج؛ إذ كانت البطولة الأولى التي تستضيفها القارة الأفريقية، وكشفت للعالم عن ثراء القارة الثقافي وتنوعها البشري أكثر مما أبرزت تحدياتها وانقساماتها. كما شكّلت البطولة حافزًا كبيرًا لتعزيز الفخر الوطني والتماسك الاجتماعي، ليس في جنوب أفريقيا وحدها بل على مستوى القارة بأكملها، وأسهمت في ترسيخ الهوية الأفريقية الجامعة، وجمعت أبناء القارة من أعراق وثقافات مختلفة تحت راية واحدة.

وفي كأس العالم الذي استضافته قطر عام 2022، تجسّدت الدبلوماسية الشعبية بعيداً عن قاعات المؤتمرات والسفارات والاجتماعات الرسمية، وظهرت في الشوارع ومدرجات الملاعب، حيث تبادل المشجعون الأعلام والأهازيج، ورقصوا معًا رغم اختلاف لغاتهم وثقافاتهم. لقد أحدثت البطولة حالة من الانفتاح وحسن النية، تجاوزت في أثرها كثيرًا من المبادرات الرسمية، وشكّلت نقطة تحول في الصورة التي كان ينظر بها بعض العالم إلى المنطقة، مؤكدة أن الأحداث الرياضية الكبرى قادرة على تصحيح الصور النمطية وكشف واقع أكثر ثراءً وإنسانية. وحمل الزوار معهم ذكريات الأجواء الحماسية والاحتفالات الشعبية في الشوارع والساحات العامة، بقدر ما حملوا ذكريات المباريات نفسها، لتصبح التجربة الثقافية والاجتماعية جزءًا أصيلًا من إرث البطولة.

التأثير على الدول الصغيرة والرائدة: الرأس الأخضر، كرواتيا، أوروغواي

وبالحديث عن كأس العالم، فقد أسهمت كرة القدم في وضع العديد من الدول الصغيرة أو الأقل تأثيرًا على الخريطة العالمية؛ إذ تمثل اللعبة إحدى أهم منصات الحضور الدولي، بما تمنحه من فرص للاعتراف العالمي والبروز الثقافي السريع. ومن خلال الإنجازات الرياضية، تحوّل هذه الدول منتخباتها إلى أدوات فاعلة للدبلوماسية العامة والترويج الوطني، وتعزيز حضورها على الساحة الدولية.

ولا شك أن الشعبية العالمية لكرة القدم الأرجنتينية ونجومها أسهمت في تعزيز حضور الأرجنتين الثقافي عالميًا، وجعلتها حاضرة في الوعي الجماهيري على مختلف المنصات الدولية. أما كرواتيا، فعلى الرغم من أن عدد سكانها يقل عن أربعة ملايين نسمة، فإن بلوغ منتخبها نصف نهائي كأس العالم مرتين، ووصيف البطولة عام 2018، جعل اسمها حاضرًا في الوعي العالمي، وربطه بروح المنافسة والإصرار.

وأما الرأس الأخضر، فقد سجّلت إنجازًا تاريخيًا بتأهلها للمرة الأولى إلى نهائيات كأس العالم 2026، لتصبح واحدة من أصغر الدول المشاركة في البطولة. ويجسد هذا التأهل كيف يمكن لكرة القدم أن تنقل دولة صغيرة من الهامش إلى دائرة الاهتمام العالمي؛ إذ تحولت هذه الدولة الأرخبيلية إلى قصة رياضية ملهمة استقطبت اهتمام وسائل الإعلام والجماهير، ورسخت حضورها على الخريطة الرياضية الدولية، في نموذج واضح لقدرة الرياضة على تعزيز القوة الناعمة للدول، بصرف النظر عن مساحتها أو حجمها السكاني.

كما تركت أوروغواي، التي يبلغ عدد سكانها نحو 3.3 مليون نسمة، بصمة تاريخية بارزة بفوزها بكأس العالم مرتين، لترسخ مكانتها الرياضية بما يفوق حجمها الجغرافي والديموغرافي.

استضافة السعودية لكأس العالم 2034 وآفاقها

وفي عام 2034، تستضيف المملكة العربية السعودية بطولة كأس العالم، في محطة تاريخية ستكون منصة عالمية لإبراز ما تتمتع به المملكة من تنوع جغرافي وثقافي وحضاري وتنموي واجتماعي. وستتيح البطولة للعالم فرصة التعرف إلى المملكة من الداخل، وإلى تاريخها الممتد، وإرثها الحضاري، وقيمها الإنسانية.

كما سيكون مشجعو المنتخب السعودي، الذين اعتادوا مرافقة منتخبهم في مختلف المحافل الدولية، سفراء لوطنهم، بما يصنعونه من أجواء مميزة بالأهازيج والحضور الجماهيري والثقافة الرياضية، مقدمين صورة حية عن المجتمع السعودي وقيمه الأصيلة.

وسيتمكن ملايين المشجعين القادمين من مختلف أنحاء العالم من اكتشاف المملكة عن قرب، بوصفها ملتقىً للحضارات، وموطنًا لتاريخ إنساني عريق يمتد منذ فجر التاريخ، ونموذجًا لمجتمع يجمع بين الأصالة والانفتاح، ويحمل قيمًا إنسانية وحضارية تعكس حقيقة الإنسان السعودي.