عاجل
٥ محرم ١٤٤٨ هـ| الأحد، 21 يونيو 2026
الرياض +17°C

الانفعالات الرياضية في ضوء فلسفة سبينوزا

21/06/2026 09:01

يظهر انتصار الفريق الذي يخص المشجع كقوة داخلية تعزز شعوره بالقدرة والاكتمال، كأن ذاته تمتد لتستوعب نجاحاً يلامس طموحه. وعلى النقيض، تولد الهزيمة شعوراً بالانكماش والضعف، ما يعكس نزولاً من مستوى أعلى إلى أدنى من الكمال وفق ما يصفه سبينوزا في تصنيفه للانفعالات.

العلاقة بين العقل والجسد في الرياضة

يتجسد الانفعال الرياضي كنوع من الاقتصاد الوجودي للقدرة، حيث تُعاد صياغة علاقة الذات بذاتها عبر وسيط ظاهري وداخلي. ولا تقتصر هذه المشاعر على العقل فقط، بل تمتد إلى الجسد بوضوح؛ إذ تلاحظ تسارع نبضات القلب، وتوتر العضلات، وتغير نمط التنفس. يتناغم هذا الترابط مع رؤية سبينوزا التي تؤكد عدم انفصال العقل عن الجسد، بل كوجهين لذات الحقيقة، وأن كل إحساس نفسي يترك أثراً جسدياً ملموساً.

التعصب كعبودية انفعالية

في ميدان التشجيع يتجلى جانب آخر أكثر تعقيداً يتمثل في التعصب والكراهية تجاه الخصم. كثيراً ما لا يكون الحزن أو الغضب نتيجة للنتيجة نفسها، بل نتيجة للارتباط العميق بالفريق، ما يجعل المشجع أسيرًا لمشاعره. يصف سبينوزا هذا الوضع بـ«العبودية الانفعالية»، حيث يفقد الإنسان قدرته على التفكير الهادئ ويصبح خاضعًا لتأثيرات لا يسيطر عليها.

يتضح ذلك حين يرفض المشجع الاعتراف بمهارة الخصم أو جمال أدائه لمجرد انتمائه إلى الطرف الآخر. يصبح الحكم غير موضوعي، مبنيًا على مشاعر مسبقة تشوه الرؤية. وقد نلاحظ أن اللاعب يُحب أو يُكره تبعًا لتغييره للفرق، ما يكشف أن الحب والكراهية لا ترتبط بجوهر الشخص، بل بالنظرة التي نوجهها إليه.

الفهم كطريق للحرية

يقترح سبينوزا مسارًا مختلفًا يعتمد على الفهم لا الانفعال. الحرية الحقيقية، حسب رأيه، لا تستلزم إنكار المشاعر، بل استيعاب أسبابها. عندما يدرك الإنسان لماذا يغضب أو يفرح، ولماذا يحب أو يكره، يصبح قادرًا على توجيه مشاعره بوعي أكبر.

من هذا المنطلق، فإن الاعتراف بجمال أداء الخصم حتى في لحظات الخسارة لا يعد ضعفًا، بل خطوة نحو وعي أعمق ونضج أكبر. هذا الفرح القائم على الفهم يختلف عن الفرح العابر المرتبط بالفوز أو الخسارة، إذ لا يعتمد على النتيجة بل على إدراك أوسع للواقع وتعقيداته.

تحول المشجع نحو تقدير أوسع

مع هذا الفهم تبدأ الحدود بين «نحن» و«هم» في التلاشي، وتصبح القدرة على رؤية الجمال والكفاءة لدى الخصم ممكنة. يقترب الإنسان من فكرة سبينوزا عن «الحب العقلي للطبيعة»، أي الفرح الناشئ عن فهم العالم كما هو، بكل انتظامه وتنوعه، دون أحكام مسبقة أو انحياز أعمى.

ينتج عن ذلك نموذج جديد للمشجع: يظل متحمسًا ومُنتميًا، لكنه لا يسمح للكراهية بالسيطرة. يفرح ويغضب، لكنه يظل قادرًا على التفكير والتقدير. يرى في المباراة أكثر من نتيجة؛ يراها مساحة تُظهر المهارة والجمال والإنسانية.

وبهذا الصدد تصبح كرة القدم مرآة مصغرة للحياة، تكشف كيف يمكن للإنسان الانتقال من الانفعال الأعمى إلى الفهم، ومن التعصب إلى التقدير. كل خطوة في هذا الاتجاه لا تمثل مجرد تغيير في أسلوب التشجيع، بل هي خطوة نحو حرية أعمق وسعادة أكثر استقرارًا، تستند إلى إدراك الخير والجمال في العالم بدلًا من الانغلاق عليه.

للنشر و الاعلان