عاجل
٥ محرم ١٤٤٨ هـ| الأحد، 21 يونيو 2026
الرياض +17°C

الصقور الخضر: عندما يتفوق العزم على مقاييس الطول

21/06/2026 09:01

ابتسمت لي أول مرة، ليس لتقليل أهمية الخبر، بل لأنني تعلمت عبر السنين أن لا أضع ثقةً في الأرقام قبل أن أتأكد منها. رجعت إلى المصادر الإحصائية وتفحصت ما توفّر من بيانات، فظهرت إحصائية مثيرة للانتباه تفيد بأن المنتخب السعودي يندرج ضمن الفرق ذات القامة الأقصر بين ثمانية وأربعين منتخباً، بمتوسط يقارب مئة وثمانين سنتيمتراً.

هل الطول معيار للنجاح؟

أغلقت الحاسوب، لكن سؤالاً عميقاً أضاء ذهني: منذ متى تُقاس الدول بطول أعضائها؟ ومتى أصبح القامة معياراً لتفوق الهمة؟ إننا كبشر ننجذب أحياناً إلى المقاييس الظاهرة، نربط القوة بالحجم، والهيبة بالطول، والإنجاز بما تراه العين. إلا أن التاريخ، في أكثر لحظاته إنصافاً، يوضح أن العظمة لا تحتاج إلى أجسام كبيرة، ولا تُولد البطولات من طول القامة فحسب، بل من ما تصنعه الروح عندما تؤمن وتكافح وتنهض.

نماذج عالمية تثبت عكس ذلك

الأرجنتين، بطلة العالم في قطر 2022، لم تكن من بين الفرق ذات القامات الضخمة. ورمزها البارز، ليونيل ميسي، لم يعتمد على طول استثنائي ليعيد تعريف العبقرية الكروية في عصره. كان قصر القامة، لكن أثره كان بعيداً، فالمسافات التي قطعها بالكرة لا تعرف حدوداً.

وهنا تكمن المفارقة: بعض القامات لا تعتلي القمم بارتفاعها، بل بآثارها التي تُخلِّدها الذاكرة. ولا يُنسى ذلك اليوم السعودي الخالد في نوفمبر 2022، حين وقف الأخضر أمام الأرجنتين في كأس العالم. حينها كان التوقعات تميل إلى الجانب الآخر، لكن الملعب لا يعترف إلا بأهدافه. فنجح المنتخب السعودي في تسجيل هدفين، ليس فقط كفوز فريق على آخر، بل كدرس للعالم أن الروح إذا حلت محل الأرقام، فإنها تُعيد ترتيب المعادلة.

القامة في اللغة العربية

كلمة «قامة» في اللغة العربية لا تقتصر على الطول الجسدي. نستخدمها للدلالة على المكانة الوطنية، أو على قيمة علمية أو إنسانية، لا على السنتيمترات. لذا فإن وصف المنتخب السعودي كأحد الأقصر لا ينبغي أن يُقرأ كعيب، بل كدعوة للتساؤل: أي قامة أعلى من قامة لاعب يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه؟

الرياضة كجزء من رؤية التحول

المنتخب لا يلعب بمفرده؛ خلفه وطن يتحرك بقيادة طموحة وثقافة تتجاوز المستحيل. رؤية جعلت الرياضة عنصرًا أساسيًا في مشروع حضاري واسع، ليس مجرد نشاط عابر. المجتمع السعودي يعيد اكتشاف جسده وحيويته، وتستمر ثقافة عشق كرة القدم عبر الأجيال، مع صعود أبطال ومنصات ومدن تستضيف فعاليات عالمية. اليوم لم تعد الرياضة في المملكة جانبًا هامشياً، بل هي جزء من معنى التحول الوطني.

آلاف الفتيات يشاركن في مسابقات كرة القدم المدرسية، ومئات الآلاف من الرياضيات المسجلات يكتبن فصلاً جديداً من الحضور السعودي. تستضيف المملكة بطولات عالمية في سباقات السرعة، كرة القدم، التنس، والرياضات الإلكترونية، وتستعد لاستضافة كأس العالم 2034.

استضافة هذا الحدث ليست مجرد تنظيم بطولة، بل لحظة حضارية تُظهر للعالم أن المملكة لا تكتفي بمشاهدة التاريخ، بل تشارك في صناعته. يلتقي الملعب بالهوية، والرياضة بالثقافة، والجمهور بالضيافة، والحلم الوطني بالواجهة العالمية.

بهذا الفهم، لا يُنظر إلى الصقور الخضر على أنهم أحد عشر لاعبًا يجرون خلف كرة، بل كتمثيل لروح أوسع. إنهم أبناء وطن قرر الارتقاء، وإعطاء الرياضة مكانًا في قلب التنمية، وتحويل الشغف إلى قوة، والمنافسة إلى قيمة، والطموح إلى عادة يومية.

لا داعي للبدء بخطاب الهزيمة قبل بدء المباراة. لا ينبغي عدّ المخاوف أو استدعاء الخسائر، ولا منح الخصوم رهبة غير مستحقة. ما يستحقه الفريق هو الوقوف خلفه بلغة ثقة، لا وهم، وفخر لا مبالغة، وإيمان لا ادعاء. فالخطاب يخلق جزءًا من الواقع قبل أن يصفه.

الأرقام قد تقول إننا من بين الأقصر قامة، لكن عندما تُقرأ بوعي، تُظهر أن المجد لا يُقاس بالطول. فالفوز جاء بالمهارة قبل القامة، بالذكاء قبل البنية، وبالجماعة قبل الفرد. ولا يخفى أن لاعبين قصيري القامة غيّروا مسار اللعبة، وفِرَقٌ لم تكن مرشحة ثم صارت حكايات تُروى.

عندما يدخل الصقور الخضر ملاعب العالم، يحملون ليس أجسادهم فحسب، بل وطنًا، وذاكرة، ورؤية، وجمهورًا، وأطفالًا يراقبونهم كما يراقبني ابني ذات المساء. يحملون سؤال الجيل القادم: هل نستطيع؟ وأجمل ما يقدمونه ليس النتيجة فقط، بل الإيمان بأن المحاولة شرف، وأن الوقوف أمام العالم بثقة هو الانتصار الأول.

القامة الحقيقية لا تُقاس بالسنتمترات، بل بما ينهض به الإنسان. فإذا كان منتخبنا من أقصر القامات، فليكن أعلى الهامات. تعلمنا في هذه البلاد أن المستحيل لا يطيل، وأن الأوطان التي تؤمن بنفسها تكبر من الداخل قبل أن يراها العالم من الخارج.

وعند إضاءة أضواء المونديال على الأخضر، سيُدرك العالم أن السنتيمترات لا تصنع التاريخ؛ ما يصنعه هو القلب عندما يكون بحجم الوطن.

للنشر و الاعلان