في مدينة تجمع بين عبق التاريخ ووهج الأدب، تواصل ثانوية قهرمان مرعش جنوبي تركيا حمل رسالتها التعليمية والثقافية، التي تعود جذورها إلى أواخر العهد العثماني. على مدى أكثر من مئة عام، أسهمت هذه المؤسسة في صقل مواهب أجيال من الأدباء والمفكرين، تاركة بصمات واضحة في المشهد الثقافي التركي.
مسيرة تاريخية حافلة بالتغيير
بدأت المدرسة رحلتها قبل حرب الاستقلال التركية تحت اسم “إعدادية مرعش”، ثم تحولت في العهد الجمهوري إلى “مدرسة مرعش السلطانية” فـ”ثانوية مرعش” عام 1948. في عام 1965، عقب منح المدينة لقب “قهرمان” أي البطل، تغير اسمها إلى “ثانوية قهرمان مرعش”، قبل أن تستقر على اسمها الحالي “ثانوية الأناضول قهرمان مرعش” منذ عام 2013. يذكر أن لقب “قهرمان” أضيف إلى اسم المدينة بقرار برلماني عام 1973، تكريماً لمقاومة سكانها الاحتلال الفرنسي خلال حرب الاستقلال، والتي انتهت بانسحاب القوات الفرنسية في فبراير 1920.
مدرسة الأدباء: “الرجال السبعة الجميلون”
في حديث لوكالة الأناضول، أوضح مدير التعليم في ولاية قهرمان مرعش، طوران أق بينار، أن المدرسة تحتل مكانة محورية في الحياة الثقافية والأدبية للمدينة، حيث تخرج فيها شخصيات بارزة أسهمت في تشكيل الذاكرة الثقافية. لفت إلى أن أهمية المدرسة تتجاوز كونها مؤسسة تعليمية لتصبح جزءاً لا يتجزأ من تاريخ قهرمان مرعش الثقافي. تبرز في تاريخ الأدب الحديث للمدينة مجموعة من الشعراء والكتاب المعروفين بـ”الرجال السبعة الجميلين”، وهم نوري باكديل، وأردم بايزيد، وجاهد ظريف أوغلو، وراسم أوزدن أورن، وعلاء الدين أوزدن أورن، ومحمد عاكف إينان، وعلي كوتلاي. تقاطعت مسارات هؤلاء الأدباء خلال سنوات شبابهم في قهرمان مرعش، وشكلت أجواء ثانوية مرعش جانباً مهماً من بدايات رحلتهم الأدبية. كذلك، أسهمت مجلة “حملة” (Hamle) التي صدرت في المدرسة لسنوات طويلة، في توفير فضاء فكري وأدبي للشباب المهتمين بالكتابة آنذاك. أشار أق بينار إلى أن أثر المدرسة امتد إلى مجالات السياسة والعلوم والرياضة والعمل العام والأعمال، وتخرج فيها أشخاص تولوا مسؤوليات مهمة في هذه القطاعات.
زلزال 2023: تحدٍّ جديد وإرادة متجددة
في 6 فبراير 2023، ضرب جنوبي تركيا وشمالي سوريا زلزالان بقوة 7.7 و7.6 درجات، تبعتهما آلاف الهزات الارتدادية العنيفة، ما خلف خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات في البلدين. تركزت الكارثة في ولاية قهرمان مرعش وأسفرت عن وفاة أكثر من 50 ألف شخص، كما ألحقت أضراراً بالغة بالمبنى التاريخي للمدرسة، مما اضطر إلى هدمه. رغم ذلك، لم تتوقف المدرسة عن أداء رسالتها التعليمية؛ فقد انتقلت أنشطتها إلى المبنى القديم لمدرسة ضياء كوك ألب الابتدائية في المنطقة نفسها. بالتزامن مع ذلك، تواصل أعمال بناء المقر الجديد للمدرسة، في مشهد يعكس تمسك المؤسسة بإرثها وإصرارها على مواصلة دورها.
مستقبل مشرق في مدينة الأدب
أكد أق بينار أن أعمال بناء المبنى الجديد لا تزال مستمرة، معرباً عن أمله في أن يواصل هذا الصرح العريق دوره في إعداد أجيال جديدة من الشعراء والكتاب والعلماء والفنانين. قال: “ستنمو في أروقة المدرسة التي يجري بناؤها اليوم مواهب المستقبل في الشعر والكتابة والعلوم والفنون. ربما تُكتب هنا قصيدة جديدة، أو تبدأ حكاية جديدة، وتحمل أجيال جديدة هذا الإرث العريق إلى آفاق أبعد”. وأضاف أن الإرث الذي حملته المدرسة عبر تاريخها، إلى جانب المكانة الأدبية التي تتمتع بها قهرمان مرعش بوصفها مدينة أدب ضمن شبكة اليونسكو للمدن المبدعة منذ عام 2025، يشكلان أساساً لمواصلة دورها الثقافي والتعليمي. وختم بالقول إن ثانوية الأناضول قهرمان مرعش، بما تحمله من تاريخ عريق وشخصيات بارزة ومكانة راسخة في الذاكرة الثقافية للمدينة، ليست مجرد شاهد على الماضي، بل مصدر إلهام للأجيال المقبلة.






