عاجل
١٢ محرم ١٤٤٨ هـ| الأحد، 28 يونيو 2026
الرياض +20°C

الصورة بين التوثيق وصناعة الرأي: كيف تشكّل الأزمات السياسية

28/06/2026 07:02

تُعَدُّ الصورة اليوم أكثر من مجرد وثيقة بصرية تُلتقط وتُحفظ؛ فقد تحولت إلى عنصر فعال يُظهر ويُعيد صياغة الوعي الجماهيري، ويُسهم في تحريك مسارات الرأي العام. لا يقتصر دورها على الأرشفة أو التعليق على الجدران، بل تتوسع لتصبح وسيلة تُستَخدَم في تفسير الأحداث وتوقع ردود الفعل، وتستطيع أن تُشعل شوارع الشعوب عندما تلامس عناصر تثير الانفعال في سياق معين.

الصورة كأداة ضغط على السلطة

في ظل هذا التحول، وجدت السلطة نفسها أحياناً في موقف يجبرها على الدفاع أو التبرير. مثال ذلك ما حدث لرئيسة وزراء إيطاليا التي اتُهِمَت من قبل الرئيس الأمريكي بأنّها اختلقت رواية حول صورة تجمعهما. فقد صرّح دونالد ترمب بأنّ ميلوني طلبت منه التقاط صورة، ما نفته الإيطالية وأكدت رفضها في مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع. وعلى الرغم من نفيها، أصر ترمب على موقفه، مما حول الحدث إلى حديث شائع في الشارع ووسائل الإعلام.

وجهة نظر نقدية حول طبيعة الصورة

يؤكد الكاتب والناقد الإنجليزي جون برجر أن كل صورة تحمل في طياتها طريقة رؤية معينة، وأنها ليست مجرد سجل آلي محايد. فالمصور يختار الزاوية واللحظة والموضوع من بين احتمالات لا حصر لها، ومن ثم يُعيد ترتيبها في الإخراج النهائي لتوصيل رسالة محددة. لذا فإن العلاقة بين الصورة والأزمة السياسية تُعَدّ علاقة متشابكة؛ فالصورة قد تفضح أزمة أو تُنشئها، وتعيد صياغتها لتصبح ذات معنى جماهيري يثير الانتباه ويسجل في ذاكرة الشعوب.

أمثلة تاريخية على تأثير الصورة

في أوقات الأزمات الكبرى، تتحول الصورة إلى شهادة تُغذي ضغطًا جماهيريًا قد يحمل طابعًا أخلاقيًا. مثال ذلك صورة «الفتاة النابالم» التي التقطها كيرك كاسيد في فيتنام عام 1972، والتي أظهرت طفلة صغيرة تجري بين أنقاض القصف. وصفتها مؤسسة World Press Photo بأنها أبرز ما بيّن فظائع الحرب، فكانت هذه اللقطة تجسيدًا لحشاشة الصراع من خلال جسد طفلة عارية، ما أضفى على النقاش السياسي بعدًا إنسانيًا أكثر من مجرد إحصاءات وتجريد.

وبالمثل، أصبحت صورة رجل صيني واقفًا أمام صف من الدبابات في ميدان تيانانمن عام 1989، حسب مجلة Time، رمزًا عالميًا للمقاومة الفردية أمام العنف الرسمي. لم تُفصّل الصورة تفاصيل الحادث، بل اختصرت المشهد إلى علاقة غير متكافئة بين المواطن والدولة، ما جعلها قابلة للتداول والتذكر كرمز للمواجهة.

الصورة كأداة مراقبة ومحاسبة

تظهر الصورة أيضًا دورًا رقابيًا عندما تُستَخدَم لتوثيق فضائح، مثل صور سجن أبو غريب أو صور جيفري إبستين في الولايات المتحدة. نقلت هذه اللقطات الأزمة من مرحلة الشك والاتهام إلى مستوى دليل بصري صادم، ما دفع إلى فتح تحقيقات وإثارة انتقادات عالمية، وبالتالي أصبحت الصورة أداة تُفضح ما تسعى بعض الجهات إلى إخفائه.

مع ذلك، لا يجوز اعتبار الصورة دائمًا محايدة. فقد تُقَطَّع عن سياقها أو تُستَخدَم في دعاية أو تُفبرَك، كما حدث في حالة الرئيس ترمب ورئيسة الوزراء الإيطالية. إضافة إلى ذلك، تُظهر تقارير معهد رويترز للصحافة (2024) تزايدًا ملحوظًا في أمثلة التزييف العميق والصور المصطنعة في الساحات السياسية والحربية. وأظهر استبيان شمل 59 % من المشاركين في دول مختلفة قلقًا حيال صعوبة التمييز بين الحقيقي والمزيف في الأخبار الرقمية، معتبرين المعلومات المضللة أكبر خطر قصير الأمد.

وبالتالي، قد تكون الصورة أداة كشف، لكنها قد تتحول إلى أداة تضليل إذا أُعيدت عن سياقها أو استُخدمت لتلاعب العواطف وجيهة الجماهير. يتحدد أثر الصورة ليس بلحظة التقاطها فحسب، بل بمسار انتشارها، ومن يفسرها، ومن يوظّفها سياسيًا. فهي ليست مجرد خبر متصدر، بل هي جزء لا يتجزأ من بنية الأزمة نفسها، وقد تفقد مصداقيتها إذا فُصلت عن الحقيقة أو استُخدمت لتوجيه المشاعر.

لذلك يتطلب التعامل الواعي مع الصور طرح سؤالين أساسيين: ما الذي تُظهره الصورة، وما الذي قد تُخفيه؟