قبل أن تتبلور دراسة الإنسان كحقل علمي يملك مفرداته ونظرياته، كان للعيش اليومي دور أساسي في استيعاب طبيعة الإنسان وتجربته. منذ أزمنة سحيقة، راقب البشر أحاسيسهم، علاقاتهم وتغيّراتهم، وسجلوا ما استقوا منه في حكاياتهم، أمثالهم، وأشعارهم؛ لتصبح تلك الصيغ اللفظية ذاكرةً تختصر تجارب أجيالٍ كاملة.
الشعر النبطي مرآة للتجربة اليومية
يتجلى الارتباط بين اللغة والحياة الإنسانية بوضوح في الشعر النبطي، الذي لم يقتصر على توثيق الوقائع فحسب، بل امتد ليصبح مساحة لقراءة المشاعر والتحولات التي يمرّ بها الفرد. وقد نجح الشاعر سعد بن جدلان في تحويل تفاصيل الروتين اليومي إلى معانٍ تتجاوز اللحظة، من خلال تصوير طباع الناس، مواقفهم، ورؤيتهم للعالم.
بيت شعر يدمج العبرة بالوعي
من بين أبياته التي تلخّص علاقة الإنسان بما يمر به، يبرز القول:
«المعتبر يأخذ على الدنيا دروس من العبر
والناس يكسبها معاملها بقد عقولها»
يظهر هذا المقطع رؤية صريحة للتجربة الاجتماعية للإنسان؛ فهو يستقي من الأيام دروسًا لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تترك أثرًا يُعيد تشكيل فهم الفرد لتجاربه وعلاقاته. «المعتبر» هو من يقرأ ما يحدث، ويحوّل ما يعيشه إلى معرفة تساعده على مواصلة مسار الحياة.
ولا يقتصر المعنى على الشطر الأول، فالشطر الثاني يضيف: «والناس يكسبها معاملها بقد عقولها». هنا يشير سعد بن جدلان إلى أن فهم الآخرين وتعامل الفرد معهم يرتبط بوعي المتحدث وقدرته على قراءة شخصيات من حوله، أي أن التعامل يتحدد بمدى إدراك الشخص لطبيعة الآخرين وتقديره للمواقف.
تقاطع الشعر مع علم النفس عند يونغ
تتقاطع هذه النظرة الشعرية مع أفكار عالم النفس السويسري كارل يونغ، أحد أبرز مفكّري علم النفس. ركّز يونغ على استكشاف العالم الداخلي للإنسان، وكيف تُشكّل الخبرات والمعاني داخل الفرد نظرته إلى ذاته والآخرين.
يؤكد يونغ أن الفرد لا يُختزل في ما يحدث له فحسب، بل في طريقة تفسيره لتلك الأحداث. فالموقف الواحد قد يولّد آثارًا مختلفة وفقًا للوعي وطريقة التعامل معه. وهذا ما يشبه ما يطرحه سعد بن جدلان: النضج لا يُقاس بعدد السنين، بل بما يكتسبه الإنسان من فهْم وخبرة من تجارب حياته.
دراسات حديثة تؤكد قيمة الخبرة في بناء الحكمة
على الرغم من اختلاف أدوات الشعر وعلم النفس، تظل فكرة التعلم من التجربة محط اهتمام الباحثين. ففي دراسة أجرىها الباحث شِي‑يِنغ يانغ من جامعة ناشيونال تشي نان في تايوان، نُشرت في عام 2017 ضمن مجلة متخصصة في علم النفس، شارك فيها 375 مشاركًا. هدفت الدراسة إلى استكشاف صلة الحكمة بالتجارب التي يمر بها الإنسان.
أظهرت النتائج أن أكثر من نصف المستجيبين يرون أن التجارب التي خضتهم ساهمت في اكتسابهم حصةً من الحكمة. وتؤكد هذه النتيجة أن الخبرات اليومية لا تُعَدّ مجرد أحداث عابرة، بل يمكن أن تتحوّل إلى مصدر للفهم والنضج وتطوير النظرة إلى الذات والآخرين، وهو ما يتقاطع مع رؤية سعد بن جدلان عندما يجعل من العبرة المستخلصة من الأيام أساسًا لفهم الحياة والناس.
يتقاطع الشعر الشعبي مع القراءة النفسية في سعيهما لفهم سلوك الإنسان؛ فالشعر يلتقط التفاصيل والمشاعر كما تظهر في الحياة اليومية، بينما يطّلع علم النفس على الأسباب والدوافع الكامنة وراء تلك التصرفات، كاشفًا كل جانب من جوانب تكوين الشخصية.
ليس جمال التعبير هو ما يقتصر عليه الشعر الشعبي، بل يحمل أيضًا سجلًا للخبرات الإنسانية المتوارثة. فقد يختصر بيت واحد تجربة إنسانية شاملة، ويُلخّص موقفًا عاشه كثيرون. ولهذا ظلّ الشعر حاضرًا كوسيلة لحفظ ما لا تُسجّله الكتب.






