عاجل
٨ محرم ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 24 يونيو 2026
الرياض +20°C

التسامح: مفتاح السعادة وفوائده الصحية في ضوء النصوص الدينية والحديثة

24/06/2026 23:02

تُعَدُّ القدرة على العفو وتجاوز الأخطاء من أهم العوامل التي تُقَدِّم للإنسان سعادةً داخلية، وقد أوضحت الدراسات العلمية أن للفضائل الأخلاقية أثرًا ملموسًا على الصحة. يثبت الطب النفسي الحديث أن ممارسات التسامح والصفح تخلق حالة من التوازن والاستقرار الذهني، في حين أن المشاعر السلبية كالرغبة في الانتقام تُفضي إلى تدهور في الجانبين النفسي والجسدي.

الفوائد الصحية للتسامح

الأشخاص الذين يختارون العفو يظهرون معدلات أقل من اضطرابات الاكتئاب والقلق، إذ إن ترك مشاعر الحقد يخفف من إفراز هرمون التوتر (الكورتيزول). بالمقابل، يساهم التسامح في تهدئة الجهاز العصبي، ما ينعكس على استقرار ضغط الدم، تحسين جودة النوم، تقوية المناعة، وتعزيز صحة القلب.

تأملات دينية في مفهوم العفو

يُستشهد بآية من القرآن الكريم التي نُقلت عن سيدنا يوسف (عليه السلام) حين قال: «قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ البَدْوِ». يلفت النظر إلى أنه اختار كلمة “السجن” بدلاً من “البئر” لتجنب إحياء ذكرى معاناة إخوته، ثم ألقى باللوم على الشيطان في إحداث الفتنة بينه وبين إخوته، معتبراً نفسه ضعيفًا أمام وساوس الشيطان. هذا التفسير يُظهر كيف يُمكن للإنسان أن يتعامل مع الأخطاء عبر توجيه اللوم إلى عوامل خارجية وتقبل المسؤولية.

حكايات من التراث عن التسامح

تحكي القصة عن معروف الكرخي الذي مرّ على مجموعة في نهر الدجلة يستمتعون بالشرب والبهجة، فطلب منه رفاقه الدعاء لهم. فأجاب: “ابسطوا أيديكم وقلوا: اللهم كما أسعدتهم في الدنيا، أسعدهم في الآخرة”. سُئل عن سبب دعائه للآخرة رغم إصرارهم على المعاصي، فأجاب بأن التوبة تُعيد الله إلى عباده، فالله يرحمهم إذا تابوا.

وفي حديث شريف رواه أبو داوود عن عبد الله بن عمر، سُئل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عن عدد مرات العفو عن خادمٍ؛ فأجابه بصمت ثم كرر الصمت، وفي المرة الثالثة قال: “اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة”. يُفهم من كلمة “سبعين” هنا كثرة لا حدّ لها، أي أن العفو يجب أن يكون مستمرًا وغير مقيد بأعداد.

دروس وعبر من السلوك الإنساني

إن الإنسان ليس كائنًا معصومًا؛ كلنا نخطئ. من يسعى للحفاظ على علاقاته مع الأهل والأصدقاء يحتاج إلى التسامح مع زلاتهم، بينما من يلتزم بالعتاب المستمر قد يجد نفسه معزولًا. كما يذكر الشاعر: “إذا كنت في كل الذنوب معيّتبًا — صديقك لم تجد الذي لا تعاتبُه”.

وفي موقف آخر، سُئل خالد بن الوليد (رضي الله عنه) عن شخص يذكره بسوء، فأجاب: “هي صحيفته فليملأها بما شاء”، مؤكدًا أن ما يُكتب عن الإنسان لا يُقيده.

يُختتم المقال بقول الدكتور صالح بن حمد التويجري، مؤكدًا أن التسامح لا يقتصر على الجانب الروحي فحسب، بل يمتد إلى تحسين جودة الحياة وصحة الإنسان.

للنشر و الاعلان