عاجل
١٢ محرم ١٤٤٨ هـ| الأحد، 28 يونيو 2026
الرياض +20°C

جدل التنوير العربي: بين استعارة النموذج الأوروبي وغياب المنهج النقدي

28/06/2026 07:02

شهد القرن التاسع عشر انطلاقة الحراك الثقافي العربي بتأثير عميق من الثقافة الفرنسية، حيث برز كتاب مثل رفاعة الطهطاوي كرموز لهذه المرحلة، والتي تجسدت في مؤلفه الشهير «تخليص الإبريز في تلخيص باريز». ومع حلول القرن العشرين، توالت الكتابات العربية التي تناولت قضايا الهوية والحكم، فعمل عبد الرحمن الكواكبي على التأكيد على ضرورة تعريف العرب بأنفسهم كأمة، والخروج من قبضة الاستبداد الذي مثلته السلطنة العثمانية كنموذج أبرز. وفي الاتجاه ذاته، ظهرت كتابات داخلية تهدف إلى تأصيل شكل الحكم، كما في كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق وما أثاره من ردود. كما شهدت الساحة الثقافية حالة من الانفتاح عبر مؤلفات قاسم أمين، ومنها «تحرير المرأة»، إلى جانب مرحلة إصلاح الأزهر على يد محمد عبده، والدمج بين التراث الاشتراكي وبعض النظريات الفرنسية كالفلسفة الديكارتية في مؤلفات طه حسين، والتعريف بالمذاهب الفكرية المختلفة لدى عباس محمود العقاد. ولافت في كل تلك الكتابات هيمنة الأسلوب الأدبي على النصوص، وصولاً إلى سيد قطب ومن سار على نهجه ممن سيطروا على أنماط التفكير لأجيال متعاقبة.

الأنوار الأوروبية والإرث الديني

كان المعطى الأوروبي حاضراً بقوة في تلك الكتابات العربية، في حين أن الثقافة الأوروبية تدرجت في محتواها داخلياً. فرينيه ديكارت (القرن السابع عشر) أظهر دفاعه عن الكنيسة، بل صنف في اللاهوت وفق القواعد الكنسية كما في كتابه «تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى». وإذا نظرنا إلى غاليليو (القرن السابع عشر) باعتباره مرحلة فاصلة في تاريخ الأفكار الأوروبية والمكتشفات العلمية، فإننا نجده تحرك داخل النسق والتفكير المسيحي، ففصل بين الكتاب المقدس وما عارضه من الفلسفة الأرسطية التي تبنتها الكنيسة، قائلاً: «لنا قوة إبصار تفوق عشرين مرةً ما كان عند أرسطو»، مشيراً إلى التلسكوب، وأظهر احتراماً عالياً للكتاب المقدس. وكذلك فعل إيمانويل كانط الذي لم يخف تعاطفه مع الأخلاق المسيحية واللاهوت الفلسفي، ونفرته من الإلحاد كما في كتابه «نقد العقل المحض».

تناقضات الخطاب العربي المعاصر

في المقابل، أصبحت حالة سائدة بين من يُحسبون على كُتّاب «التنوير العربي» تُظهر النفور من كل ما هو تراثي، أو التلويح بما يناقض النصوص الدينية، أو التماهي مع خطاب إلحادي كأن يسخر من الكعبة أو يعارض نصاً صريحاً من القرآن. وهذا يدفع المتابع إلى تخيل أنهم يزايدون على جون لوك (القرن السابع عشر) الذي لم يبدِ تعاطفه وهو يكتب عن «المدنية» مع الملحدين. فقد ظل تحرك الفلاسفة الأوروبيين ضمن هامش ثقافتهم المسيحية، كما فعل هيغل (القرن التاسع عشر) الذي صنف كتاباً مستقلاً عن حياة يسوع. واحتاج الأمر إلى وقت حتى يستعين اليسار الهيغلي بكتاب شتراوس «حياة المسيح» في نقد السردية الكنسية، ورغم ذلك أثارت كتب شتراوس حفيظة الفيلسوف نيتشه (مطلع القرن العشرين) وخصصه بالنقد لأنه لمس في شتراوس تعظيم الدين، وأطلق عليها تهكماً الكنيسة الشتراوسية.

غياب المنهج والتاريخ في النقد التراثي

وكصورة عامة، فإن المثقفين والفلاسفة في أوروبا من زمن النهضة إلى مرحلة الأنوار غلب عليهم تعظيم الدين والتفريق بينه وبين التفسيرات الكنسية، وقد امتلك كثير منهم أدوات في اللغات ومعرفة التاريخ الأوروبي والتفسير الكنسي والنصوص الدينية. في المقابل، يجد المطالع للحالة العربية أن كثيرين ممن يتصدرون الحديث عن الأنوار يقفزون إلى ما يشبه خطاب نيتشه وفويرباخ بإظهار النفور من الماضي، وأنهم بقرارهم الشخصي لا بأعمالهم البحثية تجاوزوا كثيراً مما طرحه التراث. وتتحول المسألة إلى ما يشبه مناكفة صرفة بالهجوم على صحيح البخاري، أو كتب التفاسير أو الدولة الأموية مع البحيري وزيدان، أو فوضى منهجية مع شحرور. فهل هذا من التنوير في شيء؟

إن كان ثمة ما ينقد في التراث، وهو يشكل مادة هائلة تستحق النخل والتمييز، فإن على هؤلاء المتنورين، كما يحبون أن يُعرفوا به في القنوات، أن ينقدوا إنتاجهم هم كذلك، وأن يسألوا أنفسهم إلى أي درجة يتماهون مع تجربة مختلفة بثقافة مغايرة وهي التجربة الأوروبية. وإلى أي مدى تتحول تصريحاتهم إلى إثارة جدل، وما يشبه الإعلان عن حاجة ملحة للتمويل بحجة التنوير من بعض الجمعيات الغربية، بما يفوق مؤهلاتهم بأدوات التراث الذي يدعون نقده، والأهم من ذلك منهج البحث والتاريخ. ولم يكن لينقضي عجبي لو تخيلت شخصاً مثل شوبنهاور وهو ينقد الثقافة الألمانية لكنه لا يكتب بالألمانية، مع أنك تجد مثيلاً لهذه المفارقة عند محمد أركون وهو يكتب بالفرنسية في موضوعات التراث العربي. وهذا ما يدفع إلى السؤال: إلى أين هذا «التنوير العربي»؟ وإلى أي مدى تتحول تصريحاتهم إلى إثارة جدل، وما يشبه الإعلان عن حاجة ملحة للتمويل بحجة التنوير، بما يفوق مؤهلاتهم بأدوات التراث الذي يدعون نقده؟