شرعت الحكومة المصرية في إجراء مراجعة شاملة للعقود الموقعة بين شركات التطوير العقاري والمواطنين، في خطوة تهدف إلى إعادة الانضباط إلى سوق شهدت خلال الأعوام الماضية حالات تأخر في تسليم الوحدات السكنية، إلى جانب ارتفاع تكاليف البناء وتراجع القوة الشرائية للمشترين.
تأتي هذه المراجعة بعد توجيهات مباشرة من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي شدد على ضرورة المتابعة المستمرة والدقيقة لمدى التزام المطورين بالعقود المبرمة مع المواطنين، وعدم التأخير في تسليم الوحدات أو إنجاز البنية التحتية والمرافق المرتبطة بالمشاريع. وأكد السيسي أن العقود مع المواطنين “يجب احترامها”، وأشار إلى ضرورة الالتزام بمواعيد التسليم المحددة، موجهاً بالتعامل “الحاسم” مع هذا الملف.
وذكر مسؤولون ومختصون في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية” أن التحرك الحكومي يمثل خطوة مهمة لإعادة الانضباط إلى السوق العقارية عبر تشديد الرقابة على التزام المطورين بالبرامج الزمنية والعقود، ومحاسبة الشركات المتأخرة، ومعالجة جذور المشكلة بربط حجم المشاريع بالملاءة المالية للمطورين، وتفعيل آليات تضمن توجيه أموال العملاء لتنفيذ المشاريع، وفرض غرامات واضحة على حالات التأخير.
مراجعة ميدانية وغرامات
من جانبه، قال مصدر في وزارة الإسكان المصرية إن الوزارة أطلقت مراجعة شاملة وحازمة للعقود المبرمة بين المطورين والمواطنين، مع التركيز على حالات التقاعس عن تسليم الوحدات أو عدم الالتزام بالمواعيد والاشتراطات التعاقدية. وأوضح المصدر لـ”سكاي نيوز عربية” أن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وأجهزة المدن الجديدة تلقت توجيهات بتشديد الرقابة والمتابعة الميدانية لعقود تخصيص الأراضي المبرمة مع المطورين، للتأكد من الالتزام بالبرامج الزمنية ونسب التنفيذ المحددة في التعاقدات.
وتشمل الإجراءات تكثيف التفتيش الدوري على المشاريع ومقارنة معدلات البناء الفعلية بالجداول الزمنية المعتمدة، مع اتخاذ إجراءات فورية في حالات التأخير أو التقصير، من بينها توقيع غرامات التأخير المقررة وفقاً للقواعد المنظمة. وتأتي المراجعة في وقت يواجه فيه القطاع العقاري المصري ضغوطاً كبيرة، بعد أن أدت التطورات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة إلى ارتفاع تكاليف مواد البناء والإنشاءات عقب انخفاض قيمة الجنيه بأكثر من 60% إثر تحرير سعر الصرف في مارس 2024. وفي محاولة لاحتواء آثار هذه الضغوط، اتجهت كبرى شركات التطوير العقاري خلال عام 2026 إلى تسريع وتيرة التنفيذ والتسليمات.
ويرى مراقبون أن بيع العقارات في مصر يزداد حساسية بسبب طبيعة نموذج البيع السائد، حيث تعتمد غالبية المشاريع على “البيع على الخريطة”، إذ يدفع العميل مقدماً يتراوح عادة بين 3 و10% من قيمة الوحدة، ثم يسدد باقي المبلغ على أقساط قد تمتد إلى 14 عاماً، بينما يتم التسليم في كثير من المشاريع خلال نحو 5 سنوات. وبالتالي، فإن أي تأخير في التنفيذ قد يترك العميل لسنوات ملتزماً بسداد أقساط مقابل أصل لم يحصل عليه في الموعد المتفق عليه.
المشكلة تبدأ قبل بيع الوحدة
بدوره، يرى الخبير العقاري طارق عيد، الرئيس التنفيذي لبيت الاستثمار العربي، أن الأزمة لا ينبغي التعامل معها فقط من زاوية محاسبة المطور المتعثر بعد وقوع المشكلة، وإنما عبر إعادة تنظيم السوق من البداية، موضحاً أن التوسع الكبير في المشاريع العقارية ودخول عدد كبير من الشركات الناشئة ذات الخبرة والملاءة المالية المحدودة خلق فجوة بين حجم المشاريع وقدرة بعض الشركات على تمويلها.
وأوضح عيد في حديثه لـ”سكاي نيوز عربية” أن “منح المطور مشروعاً بمليارات الجنيهات بينما لا يمتلك ملاءة مالية تتناسب مع هذا الحجم يمكن أن يؤدي إلى أزمة تمويلية عند حدوث أي تباطؤ في المبيعات، لذا قد يلجأ بعض المطورين إلى الحصول على مشاريع جديدة لتوفير السيولة اللازمة لاستكمال مشاريع قائمة، وهو ما يؤدي إلى اتساع دائرة التعثر”. وبحسب عيد، فإن القاعدة الأولى لمنع تكرار هذه المشكلات هي أن يتناسب حجم الأرض والمشروع مع القدرة المالية الحقيقية للمطور، سواء كانت الأرض مقدمة من وزارة الإسكان أو من أي جهة أخرى صاحبة ولاية عليها.
وأشار إلى ضرورة تنفيذ قرار سابق بعدم الإعلان عن المشاريع العقارية إلا بعد تحقيق نسبة 30% من الإنشاءات، معتبراً أن “عدم تنفيذ القرار بالشكل المطلوب أفقده قدرته على حماية المشترين من الدخول في مشاريع غير جاهزة أو غير مستقرة”. وقال إن “عدم ربط التدفقات المالية بمعدلات التنفيذ يفاقم مخاطر التعثر، خاصة أن بعض الشركات الكبيرة تأخرت في التسليم لمدة عامين أو ثلاثة أعوام دون محاسبة أو رقابة أو تعويضات كافية للعملاء”، مطالباً بإضافة بند واضح في العقود العقارية لفرض غرامات تأخير على المطور، على غرار الغرامات المفروضة على العميل عند تأخره في سداد الأقساط.
اختبار لجدية المستثمرين
من ناحية ثانية، يرى الباحث الاقتصادي المتخصص في تحليل السياسات العامة أبوبكر الديب أن تدخل الرئيس المصري في أزمة مبيعات العقارات “تمثل رسالة واضحة بأن الدولة تتجه إلى مرحلة أكثر صرامة في إدارة ملف الأراضي والاستثمارات”، مشدداً على أن “الحصول على أرض مخصصة للاستثمار لا يمثل مجرد امتياز، وإنما يرتب التزاماً قانونياً واقتصادياً على المستثمر، يتعين الوفاء به وفق المواعيد والاشتراطات المحددة في التعاقد”.
ومع ذلك، شدد الديب في حديثه لـ”سكاي نيوز عربية” على أهمية التفرقة بين المستثمر الجاد الذي واجه ظروفاً استثنائية ويعمل على تصحيح موقفه، وبين من حصل على الأرض ثم لم يلتزم بالغرض المخصص لها أو بالمواعيد والاشتراطات المتفق عليها دون مبررات حقيقية، موضحاً أن “استرداد الأراضي التي تثبت بشأنها مخالفات تعاقدية جوهرية يمكن أن يكون إحدى أدوات إنفاذ القانون وحماية موارد الدولة، شريطة أن يتم ذلك وفق الإجراءات القانونية والتعاقدية وبما يحفظ حقوق جميع الأطراف”.
ويعتقد الديب أن “الرسالة الأوسع للتحرك الحكومي هي منع تحول الأراضي المخصصة للاستثمار إلى أصول مجمدة أو أدوات للمضاربة، في وقت تحتاج فيه مصر إلى تعظيم الاستفادة من الأراضي القابلة للتنمية عبر مشاريع حقيقية توفر قيمة مضافة وفرص عمل وتجذب استثمارات جادة”، مؤكداً أن “نجاح المراجعة يتوقف على تنفيذها بصورة مؤسسية وشفافة، بما يحقق معادلة مزدوجة؛ حماية حق الدولة في أراضيها، وطمأنة المستثمر الجاد إلى أن الإجراءات لا تستهدف الاستثمار وإنما تستهدف عدم الالتزام”.






