عاجل
٢٥ صفر ١٤٤٨ هـ| الإثنين، 10 أغسطس 2026
الرياض +16°C

الأمير محمد بن سلمان يعيد صياغة العلاقة مع التاريخ في رؤية متكاملة للتأسيس والتوحيد والتنمية

10/08/2026 01:03

يظهر من تتبع خطابات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والقرارات الرسمية والمشروعات الكبرى في المملكة أن التعامل مع التاريخ يسير وفق مسارات متعددة تبدأ بتصحيح البدايات، مروراً باستعادة الحق في كتابة الرواية الوطنية، وتوسيع المعرفة بتاريخ الأرض السعودية، وصولاً إلى تحويل الماضي من مجرد ذاكرة إلى قوة فاعلة في الهوية والعمران والاقتصاد. فالتاريخ في هذه الرؤية ليس مخزناً للفخر وحسب، بل هو مكوّن أساسي في بناء الدولة الحديثة، مما يجعل الوعي التاريخي جزءاً من الكفاءة السياسية وليس ترفاً ثقافياً يقتصر على المناسبات.

إعادة تأصيل الزمن السعودي

أبرز تجسيد لهذا التحول يتمثل في اعتماد يوم التأسيس. فالأمر الملكي الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في عام 2022، والقاضي بجعل 22 فبراير ذكرى لتأسيس الدولة السعودية، لم يُضف مناسبة وطنية فحسب، بل أعاد الزمن السعودي إلى جذوره عام 1727، عندما تولى الإمام محمد بن سعود الحكم في الدرعية وأسس الدولة السعودية الأولى.

تكمن أهمية هذا التاريخ في تحرير نشأة الدولة من اختزال سائد لعقود طويلة كان يربط قيامها بعام 1744 وقدوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية. القراءة الجديدة لا تنكر مكانة الشيخ ولا أثر دعوته الإصلاحية، بل تعيد ترتيب الأحداث: الدولة قامت أولاً بإرادة سياسية واجتماعية بقيادة الإمام محمد بن سعود، ثم انضم الشيخ إلى مشروع دولة قائمة وأسهم فيه من موقعه العلمي والدعوي. وقد عبّر الأمير محمد بن سلمان عن هذا المعنى بوضوح عندما وضع الشيخ ضمن علماء الدولة ورجالها إلى جانب السياسيين والعسكريين، أي بصفته جندياً من جنود الدولة وليس مؤسساً مشاركاً للإمام.

التأسيس والتوحيد في سيرة دولة واحدة

من هنا يكتسب الفصل بين يوم التأسيس واليوم الوطني عمقه: الأول يستعيد الفكرة السياسية الأصلية عام 1727، والثاني يخلد اكتمال إعادة التوحيد عام 1932. بين هذين التاريخين تمتد سيرة دولة واحدة رغم تعاقب ثلاثة أطوار عليها. التحقيب إلى دولة أولى وثانية وثالثة مفيد للفهم التاريخي، لكنه لا يعني أن كل طور وُلد من فراغ؛ فكرة الدولة ظلت كامنة في الذاكرة والولاء والشرعية الاجتماعية، وكانت تعود كلما تهيأت لها القيادة والقدرة. شكل الدولة سقط مرتين، لكن معناها لم يسقط من نفوس أهلها.

وفي هذا السياق تُفهم دقة الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عام 2023، عندما صحح عبارة «إن الاتحاد السوفيتي اعترف باستقلال المملكة» قائلاً بلطف ولباقة ملكية: «السعودية لم تستقل ذلك الوقت، السعودية أعيد توحيدها، السعودية لم تكن مستعمرة من قبل في التاريخ». لم يكن التصحيح عابراً، بل دفاعاً عن السيادة؛ فالاستقلال يفترض وجود مستعمر سابق، بينما إعادة التوحيد تشير إلى دولة صنعت وجودها بنفسها ولم تنتظر قوة أجنبية تمنحها شهادة ميلاد. بذلك رفض الأمير قراءة التجربة السعودية ضمن قوالب أعدت لتجارب تاريخية أخرى.

استعادة طبقات المكان الحضارية

فكر الأمير محمد بن سلمان في التاريخ لا يقف عند حدود الدولة فحسب، بل يمتد لاستعادة تاريخ المكان السعودي بكل طبقاته الحضارية. تتجلى هذه الرؤية في مشروعات الدرعية والعلا وجدة التاريخية وما يصاحبها من تنقيب وتوثيق وترميم وإحياء. ففي العلا، على سبيل المثال، لا يبدأ تاريخ الأرض بقيام الدولة الحديثة، بل يمتد عبر ددان ولحيان والأنباط وطرق التجارة والحج. وهكذا يصبح الماضي الحضاري قبل الإسلام، والتاريخ الإسلامي، والتاريخ السعودي حلقات في ذاكرة وطنية واحدة. استعاد السعودي بذلك حقه في جميع أزمنة أرضه، بعد أن همشت بعض القراءات الأيديولوجية أجزاءً واسعة منها أو نظرت إليها بريبة.

مشروع الأمير لتطوير المساجد التاريخية يكشف وجهاً آخر لهذه الرؤية: المسجد القديم لا يُرمم ليظل أثراً صامتاً، بل يُعاد إلى الصلاة وإلى محيطه الاجتماعي مع الحفاظ على طرازه المعماري وخصوصية المنطقة. هنا يتحول التاريخ من مبنى يُزار إلى وظيفة تُستعاد، ومن ذكرى محلية مهددة بالاندثار إلى جزء من الذاكرة الوطنية الحية.

التاريخ قوة للهوية والتنمية

لهذا التوجه وظيفة سوسيولوجية مهمة: بناء ذاكرة مشتركة لا تلغي تواريخ المناطق بل تجمعها في قصة وطنية أوسع. الدرعية والعلا وجدة والأحساء وعسير والقصيم ونجران ليست هوامش متفرقة، بل شواهد متعددة على عمق المكان وتنوع المجتمع. عندما يتعرف المواطن إلى تاريخ المناطق الأخرى، تتحول الوحدة الوطنية من وحدة حدود ونظام سياسي إلى وحدة ذاكرة ومصير.

إدخال التاريخ في مشروعات التنمية والسياحة والثقافة والترفيه يكشف أن الأمير لا يعامله كعبء على المستقبل. الموقع الأثري قادر على إنتاج معرفة وفرص واقتصاد، والعمارة التاريخية تلهم المدينة الحديثة، والهوية تستطيع الانخراط في العالم من دون ذوبان. هكذا يزول الاختيار بين الأصالة والمعاصرة؛ لأن التحديث الأكثر رسوخاً هو ما ينمو من داخل المجتمع لا ما يُزرع فيه من الخارج.

لقد أعاد الأمير محمد بن سلمان التاريخ إلى المجال العام، لا ليحكم الحاضر باسم الماضي، بل ليمنح الحاضر وعياً بذاته والمستقبل ثقة في مساره. فالتاريخ في فكره ليس مقبرة لما مضى، بل طاقة سياسية واجتماعية وحضارية: به تعرف الدولة كيف بدأت، وبه يعرف المجتمع لماذا استمرت، ومنه يستمد السعوديون يقينهم بأن الأمة التي صنعت دولتها واستعادتها كلما سقطت قادرة على صنع مستقبلها من دون أن تفقد نفسها.