عاجل
الجمعة، 25 سبتمبر 2026١٢ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـالرياض 21°C

إشكالية توثيق الحج عبر الهواتف بين الخدمة والإظهار

25/09/2026 15:12

السياق الانتخابي والشعارات المتداولة

تشهد منظومة الحج هذه الأيام نشاطاً انتخابياً ملحوظاً؛ تتنافس البرامج وتتكاثر الوعود وتبرز مطالب الشفافية، بينما يعلن كل مرشح عن تميزه باستخدام عبارة «الزين عندي!».

التحدي الميداني مع الهواتف الذكية

في ساحة الميدان، يجد الموظف نفسه تحت ضوء الشمس الشديدة، محاطاً بزحام الحجاج، يقدم خدمته لضيف الرحمن بجهد صادق لا يطلب سوى الأجر وأداء الأمانة.

لكن عندما يخرج الموظف هاتفه لتصوير المشهد، يبدأ التساؤل الحقيقي: هل يدرك ما يوثقه أم ما يقول؟ وهل يدرك أن الحاج أمامه ليس مجرد خلفية أو مادة محتوى؟ وهل يدرك أن صورة عفوية واحدة قد تنتقل من جهازه إلى منصات عالمية، لتُنتج رسالة إعلامية تتعارض تماماً مع القيمة السامية التي تمثلها الجهة التي يعمل لها؟

لقد أضحت الهواتف الذكية في حقل العمل تُعامل كحقيبة إسعافات أولية؛ كلما حدث شيء يُشعر بالحاجة لتوثيقه، يُسحب الجهاز ويُلتقط اللقطة، كما لو أن الحواس الميدانية قد تعطلت ونسينا أن بعض اللحظات تستدعي يد المساعدة لا يد ترتجف تمسك شاشة للتصوير.

مقترح حقيبة إعلامية وتثقيفية

نستثمر الكثير في تدريب العامل الميداني على استقبال الحاج وخدمة ضيوفه، وإدارة المواقف الطارئة، وحل المشكلات التشغيلية في أجزاء من الثانية؛ بل إن متطلبات التوظيف في مراكز الضيافة بمنظومة الحج تفرض اجتياز دورات متخصصة في مجالات معينة، لكننا قد نتجاهل جانباً لا يقل أهمية: الوعي الإعلامي للعامل، خصوصاً في المستويين المتوسط والعالي من الهرم الوظيفي.

هل درّبناهم على فقه الظهور وما يترتب عليه من محاذير للتصوير؟ وهل علّمناهم أساليب حماية خصوصية الحجاج الذين أنهكتهم رحلة العبادة وأرهقهم أداء الفريضة؟ وهل فرّقنا بينهم بين الشغف بتوثيق المنجز والبحث عن لحظة شخصية تسعى لسرقة الأضواء؟

أنا لا أدعو إلى إلغاء الكاميرات، بل على العكس، نحن بحاجة إلى موظفين واعين إعلامياً لا يطاردون الكاميرا ولا يفرّون منها؛ فالظهور ليس خطأً، والتصوير ليس جريمةً، والنشر ليس مشكلة بذاته، لكن الخطأ يكمن عندما يصبح حب الظهور ومضةً تُعمي البصر عن جوهر الخدمة الأصلية.

ومن واقع خبرتي في الإعلام والعمل داخل منظومة الحج، أقترح فكرة عملية تُعرض على وزارة الحج والعمرة وكل جهة ميدانية معنية: لماذا لا نبتكر حقيبة إعلامية وتثقيفية للعاملين الميدانيين تُصبح شرطاً أساسياً للتوظيف في مراكز الضيافة؟ حقيبة بسيطة، خفيفة المحتوى، مباشرة في رسائلها؛ لا تهدف إلى صنع إعلاميين محترفين، بل إلى تكوين فرق ميدانية واعية إعلامياً ترسخ في وجانب العامل قاعدة ذهبية تسبق تشغيل الكاميرا: «ميدان الحج ليس مكاناً لصنع مجد شخصي .. خدمة الحاج أولاً».

أخيراً، أوجه سؤالاً بريئاً لزملائي العاملين في منظومة الحج: من خلال مشاهداتكم المستمرة في الميدان، هل ترون أن شغف التوثيق الإعلامي بات ينافس شرف الخدمة المؤسسية لضيوف الرحمن أم لا؟