عاجل
١٢ محرم ١٤٤٨ هـ| الأحد، 28 يونيو 2026
الرياض +20°C

رسالة إلى المسؤول بين الرؤية والمرآة

28/06/2026 07:02

ليس نقص القواعد هو السبب الدائم في تعثر المؤسسات؛ فغالباً ما تكون المشكلة في قلة الإيمان لدى من يتحملون تنفيذها. قد يتحول نظام عادل إلى أداة في يد غير عادلة، فيصبح مجرد وسيلة بلا روح، وتتحول الرسالة إلى إجراء جاف لا يحمل أي نبض.

المفارقة في الجهود الإصلاحية

تظهر أحياناً أن الفشل لا ينتج عن خصوم الفكرة، بل عن أولئك الذين يرفعون شعاراتها. ليس كل من يعلن عن فكرة معينة يصدقها، ولا كل من يتحدث باسم العدالة يعيشه، ولا كل من يملك سلطة اتخاذ القرار يمتلك ضميراً يوازي هذه السلطة. كثير من القادة يظنون أن النور قد وصل إلى كل ركن، بينما تظل بعض الممرات غارقة في الظلام.

تغيّر الخطط وإعادة الصياغة

تُرسم خطط بعناية ثم تُعاد صياغتها وفق مصالح شخصية، وتُبذل جهود لتثبيت ميزان مستقيم، إلا أن الأهواء البشرية قد تضغط على أحد كفتيه بشكل خفي. قد ينجح الإنسان في تعديل اللوائح وتجميل الأرقام، لكنه لا يستطيع إخفاء الأثر الحقيقي على حياة الآخرين.

ما تقيسه المؤسسة حقاً

لا تُقاس كفاءة أي مؤسسة بما هو مكتوب في أوراقها فقط، بل بما يشعر به الموظفون عندما يغلقون مكاتبهم كل مساء. هناك جوانب لا تظهر في الجداول الإحصائية ولا في مؤشرات الكفاءة عندما تُدفع إلى الخلف، ولا في مفهوم الإنصاف عندما يطغى المجامل، ولا في الإحباط عندما يصبح الاجتهاد طريقاً أطول من التملق.

خطر التحول من مسؤولية إلى امتياز

الأخطاء الإدارية عابرة بطبيعتها البشرية، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول المنصب إلى امتياز، وتصبح الأمانة ملكية خاصة، ويتحول الدور إلى مساحة ضيقة تدور حول الأشخاص وليس حول المبادئ. في هذه الحالة تفقد المؤسسة روحها وتضيع الثقة الصامتة التي تجعل الموظف يشعر أن جهده يُقاس بمعيار واحد موحد.

العدالة ليست بنداً في لائحة، بل مناخاً يعيشه الكيان. إذا تعطل هذا المناخ، قد تبدو الأوراق سليمة، لكن الأرواح التي تعمل خلفها تبدأ بالذبول. المسؤول يشبه صاحب مرآة كبيرة؛ يرى الصورة المنعكسة لكنه لا يدرك أحياناً ما إذا كان الزجاج نفسه مشوهاً.

أعظم القادة عبر العصور هم الذين لم يكتفوا بالنظر إلى الصورة، بل ساعوا إلى صحة المرآة نفسها، لأن الحقيقة لا تضيع عادةً عند مصدرها، بل قد تتلاشى عندما يُسلمها من ينقلها. العدالة لا تُهزم أمام الظلم الصريح فحسب، بل أمام من يخفون تحيزاتهم، والإخلاص لا يضرّ إلا بالادعاءات الكاذبة.

ليس كل من يرفع شعارات المؤسسة يحمل قيمها، ولا كل من يتحدث باسمها يجسد جوهرها. النجاح لا ينهار عندما يقل عدد المخلصين، بل عندما تتشابه الوجوه ويصعب التفريق بين من يخدم الفكرة ومن يستغلها، وبين من يحمل الأمانة ومن يحمل شكله فقط.

وبالتالي يظل الرهان الحقيقي في أي مشروع إصلاحي على الإنسان: الضمير قبل الصلاحية، والنزاهة قبل النفوذ. يمكن أن يمنح المنصب، لكنه لا يمنح الضمير؛ يمكن أن يضع الصلاحيات، لكنه لا يزرع النزاهة في القلب. القرارات قد تحدد الطريق، لكنها لا تضمن سلامة السائرين فيه.

الثقة في المسؤول ترتفع عندما يفتح النوافذ لصوت الواقع، كما يفتح الأبواب لصوت التقارير. الفجوة بين التخطيط والنتيجة ليست دوماً مسافة قرارات، بل مسافة بشرية، وفي هذه الفجوة يتحدد مصير الأفكار؛ إما أن تصل كما وُلدت نقية وعادلة، أو أن تتشوه ملامحها حتى لا يُعرف فيها صاحبها الأصلي.