عاجل
١٤ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الأحد، 31 مايو 2026
الرياض +18°C

تحولات مفهوم الحب بين الماضي والواقع المعاصر في المجتمعات العربية

31/05/2026 01:01

نشأ جيل السبعينات والثمانينات في بيئة سادت فيها التحفظات والقبح العاطفي، حيث كان التعبير عن المشاعر محدودًا حتى داخل الأسرة. كان الحب موجودًا بلا ريب، لكنه كان يُقابل غالبًا بتحمل المسؤولية والقيام بالواجبات بدلًا من الكلمات والاحتضان العاطفي.

ورغم أن ذلك الجيل اكتسب سمات الالتزام وتحمل المسؤولية، فإن قلة التعبير عن الأحاسيس خلقت فجوة عاطفية امتدت إلى الأجيال اللاحقة، وإن كان أثرها أضعف. وبالتالي بدأ الكثيرون يبحثون عن معاني الحب خارج إطار الأسرة.

دور الإعلام والدراما في صياغة مفهوم الحب

مع انفتاح الإعلام، أصبحت الدراما والأفلام مصدرًا رئيسيًا لتشكيل فكرة الحب. ففي حين كانت الأعمال القديمة تصوِّر الحب بصورة رومانسية حالمة، جاءت الدراما الحديثة لتربطه بالمظاهر المادية: وردة حمراء، سيارة فارهة، هدايا ثمينة، سفر وحياة مترفة، حتى بدا أن قيمة الحب تُقاس بكمية ما يُنفق لا بصدق المشاعر.

انتشار الصورة المادية في المجتمعات العربية

مع مرور الوقت تسللت هذه الصورة إلى المجتمعات العربية، فأصبح كثير من النساء والرجال يربطون الحب بالماديات، كأن الإنفاق هو الدليل الحقيقي على المشاعر. وظهر الرجل مثقلاً بمحاولة إثبات حبه عبر الهدايا والاستعراض، بينما تشكلت لدى البعض صورة غير واقعية عن العلاقات والزواج، حتى صارت المظاهر أحيانًا أهم من طبيعة الإنسان نفسه.

النموذج التقليدي مقابل النموذج المستورد

هذا النموذج لا يعكس طبيعة العلاقات التي قامت عليها المجتمعات العربية قديماً، حيث كان الحب مرتبطًا بالأمان والوفاء وتحمل المسؤولية أكثر من الانغماس في المظاهر. وقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى أن «المغلوب مولع دائمًا بتقليد الغالب»، وهو ما يفسر انتقال الكثير من الصور المستوردة للحب والعلاقات إلى مجتمعاتنا حتى تُقدَّم باعتبارها النموذج المثالي.

العودة إلى جوهر الحب الحقيقي

لكن البيوت لا تُبنى على المظاهر وحدها، ولا تستمر بالهدايا والاستعراض، بل تقوم على التقدير والتعاون والرحمة والالتزام. فالحب الحقيقي لا يقتصر على ما يُشترى، بل يظهر في الاحتواء وقت الضيق، وفي الشريك الذي يساند ويحترم ويشارك أعباء الحياة.

لسنا ضد الجمال أو الهدايا أو التعبير اللطيف عن الحب، فهذه أمور جميلة عندما تكون في حدودها الطبيعية. إلا أن الخطر يكمن عندما تتحول الماديات إلى المعيار الأساسي للمشاعر، ويصبح الإنسان مطالبًا دومًا بإثبات حبه بالإنفاق والاستعراض. لذا هناك حاجة لإعادة التوازن إلى مفهوم الحب، ليعود إلى علاقة إنسانية تُبنى على الرحمة والصدق والمسؤولية، لا على المظاهر وحدها.