عاجل
٨ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الإثنين، 21 سبتمبر 2026
الرياض +21°C

ولي العهد يشرع في مرحلة جديدة لاستغلال المعادن السعودية عبر شراكة مع كازاخستان

إعلان موارد جبل صايد

في الرابع عشر من سبتمبر كشفت المملكة عن موارد تقديرية تتراوح بين مائة وعشرة ومائة وأربعة عشر مليون طن من الخام في مشروع جبل صايد بمنطقة المدينة المنورة. يحتوي هذا الخام على تركيزات مرتفعة من العناصر الأرضية النادرة، لا سيما الثقيلة، بالإضافة إلى نسب واعدة من اليورانيوم. لم تُعرض هذه الموارد ككنز جاهز للبيع، بل كأساس جيولوجي يمكن تحويله إلى صناعة متكاملة عبر الاستثمار والتقنية والتنظيم.

المسار المعلن لا يقتصر على استخراج الخام فحسب، بل يمتد إلى المعالجة والفصل والتكرير وإنتاج الكعكة الصفراء. كما تعمل المملكة على استرداد اليورانيوم المرافق لحمض الفوسفوريك الناتج من صناعة الأسمدة، والتي تصنفها التقارير المتخصصة بأنها ثاني أكبر مصدر عالمي لأسمدة الفوسفات. هناك أيضاً مبادرات لمسح الغطاء الرسوبي بحثاً عن إضافات من اليورانيوم من المصادر التقليدية.

اتفاقية التعاون مع كازاخستان

في اليوم التالي، أي الخامس عشر من سبتمبر، وافق مجلس الوزراء السعودي برئاسة ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان على مذكرة تفاهم بين وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية ووزارة الصناعة والبناء في كازاخستان في مجال الثروة المعدنية. القرار لا يعني استحواذ السعودية على منجم كازاخستاني ولا استثماراً بقيمة محددة، لكنه يؤسس إطاراً رسمياً للتعاون.

هذا الإطار يهدف إلى تبادل الخبرات، وتطوير الاستكشاف، وبحث فرص الشراكة في المعادن الحرجة، وربط الموارد بالمعالجة والتصنيع وسلاسل الإمداد. وفي اقتصاد المعادن الحديث تمثل هذه الأنشطة القيمة الحقيقية، إذ تُحدد القيمة ليس فقط بكمية الخام المستخرج بل بنسبة ما تستطيع المملكة إبقاءه داخل اقتصادها من أعمال هندسية، وخدمات جيولوجية، وتقنيات فصل، ومراكز أبحاث، ومصانع تحويل، ووظائف عالية المهارة.

أبعاد الاستراتيجية المعدنية

تعتبر كازاخستان شريكاً منطقياً نظراً لقاعدتها المعدنية الواسعة وخبرتها الطويلة في التعدين، بينما تتمتع السعودية بطاقة تنافسية، وبنية تحتية متقدمة، وموقعاً يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وقادرة على تمويل المشروعات الصناعية الكبرى. قد يفضي الجمع بين هذه المزايا إلى إنشاء ممر اقتصادي للمعادن يبدأ من الاستكشاف ولا ينتهي عند المنجم، بل يصل إلى المعالجة والتصنيع والتجارة العالمية.

لتحويل هذا الإطار إلى مشروعات ملموسة سيتطلب ذلك دراسات جدوى، واتفاقات تنفيذية، وتخصيصات استثمارية تُعلن في وقت لاحق. وقد لاحظت المنصات العالمية هذا التحرك؛ فقد أبرزت رويترز في الرابع عشر من سبتمبر حجم الخام المحتوي على يورانيوم في المدينة المنورة، بينما وسعت ذا ناشونال زاوية التغطية لربط الاكتشاف بمسار الطاقة النووية والشراكات الصناعية. كما عرضت النسخة الناطقة بالإنجليزية من الشرق الأوسط المسارات الثلاثة لاستكشاف الموارد وبناء سلسلة قيمة محلية. وأكدت وكالة الأنباء السعودية قرار مجلس الوزراء في الخامس عشر من سبتمبر ونقلته منصات اقتصادية عربية؛ ويكمن دلالته العالمية في تحويل الطموح المعدني من خطاب استراتيجي إلى شبكة تعاون مؤسسية قابلة للبناء.

السعودية لا تسعى إلى البحث عن بديل للنفط، بل إلى توسيع تعريف القوة الاقتصادية. فقد منح النفط المملكة وزناً في أسواق الطاقة، بينما قد تمنحها المعادن الحرجة واليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة وزناً جديداً في التكنولوجيا والصناعة وأمن الإمدادات. بين الإعلان الجيولوجي في الرابع عشر من سبتمبر وقرار التعاون الدولي في الخامس عشر من سبتمبر، ترسم الرياض ملامح اقتصاد يدرك أن الثروة لا تكمن فقط فيما تحت الأرض، بل أيضاً في ما تستطيع العقول والمؤسسات تحويله إلى معرفة وصناعة وتأثير.

هذا هو الفصل الجديد الذي يفتحه الأمير محمد بن سلمان: السعودية لا ترغب فقط في أن تكون أرضاً غنية بالموارد، بل تطمح إلى أن تصبح منصة عالمية تلتقي فيها الجيولوجيا برأس المال، والتقنية بالسياسة، والطموح الصناعي بحسابات الاقتصاد الدولي. وليس ذلك مبالغة في وصف اللحظة، بل قراءة هادئة لبلد بدأ يتعامل مع باطن الأرض كنقطة انطلاق، لا كنقطة نهاية.