يشهد سوق النفط الخام مرحلة دقيقة تتجاوز في تعقيدها مجرد التفاعل مع الأحداث الجيوسياسية اليومية، إذ أصبح مرتبطاً بشكل أكبر بتشابك العوامل السياسية والاقتصادية والنقدية والاستثمارية. وترى رانيا جول، كبير محللي الأسواق في XS.com لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن التهدئة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران تمثل تطوراً إيجابياً للأسواق العالمية، لكنها لا تعني نهاية حالة عدم اليقين المحيطة بأسواق الطاقة.
علاوة مخاطر رغم التهدئة
تدرك الأسواق أن الاتفاقات السياسية في منطقة الخليج غالباً ما تكون هشة وقابلة للتغير السريع، مما يفسر استمرار وجود علاوة مخاطر ضمن تسعير النفط حتى مع انحسار احتمالات تعطل الإمدادات فورياً. ويعكس رد فعل الأسواق الذي اتسم بالحذر وارتفاع الأسعار بشكل محدود قراءة عقلانية للمشهد أكثر من كونه موجة تفاؤل كاملة، وفقاً لجول.
مضيق هرمز ورسالة الطمأنة
ترى جول أن استئناف المحادثات المتعلقة بمضيق هرمز يمثل رسالة طمأنة للأسواق أكثر من كونه ضمانة لاستقرار طويل الأمد. لا يزال هذا الممر البحري يشكل أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على تكلفة النقل وأسعار النفط والتأمين البحري. لكن الأسواق تعلمت خلال السنوات الأخيرة ألا تبالغ في تسعير المخاطر الجيوسياسية إلا عندما تتحول إلى تهديد مباشر للإمدادات الفعلية. لذلك، يعكس ارتفاع أسعار خام برنت والخام الأمريكي والخام العماني عقب الإعلان عن خفض التصعيد توازناً دقيقاً بين ارتياح المستثمرين من جهة واستمرار الحذر من جهة أخرى.
الطلب العالمي وسياسات أوبك+ والتضخم
تشير جول إلى أن العامل الأكثر تأثيراً خلال النصف الثاني من العام لن يكون التطورات السياسية وحدها، بل العلاقة بين مستويات الطلب العالمي وسياسات الإنتاج التي تقودها الدول المنتجة وفي مقدمتها تحالف أوبك+. إذا استمرت المنظمة في اتباع سياسة إدارة المعروض بصورة مرنة، فستنجح في الحفاظ على توازن السوق ومنع حدوث انهيار كبير في الأسعار حتى لو تباطأ النمو الاقتصادي العالمي. وفي المقابل، أي زيادة غير محسوبة في الإنتاج قد تضغط على الأسعار خاصة إذا تزامنت مع ضعف النشاط الصناعي في الاقتصادات الكبرى.
تؤكد المحللة أن الأسواق أصبحت تقلل تدريجياً من تأثير الأخبار الجيوسياسية قصيرة الأجل، بينما تمنح اهتماماً أكبر للبيانات الاقتصادية ومؤشرات التضخم وأسعار الفائدة. لم يعد ارتفاع النفط يعتمد فقط على المخاطر الأمنية، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الاقتصاد العالمي على الحفاظ على وتيرة نمو مستقرة. وإذا استمرت البنوك المركزية في تبني سياسات نقدية متشددة لفترة أطول، فسيؤثر ذلك في الاستهلاك والاستثمار وبالتالي في الطلب العالمي على الطاقة، مما قد يحد من أي موجات صعود قوية في أسعار النفط.
الذكاء الاصطناعي وضغوط تضخمية جديدة
ترى جول أن ما أشار إليه بنك نيويورك بشأن ظهور قيود جديدة على جانب العرض مرتبطة بالاستثمارات الضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي يستحق اهتماماً كبيراً. فالتوسع العالمي في مراكز البيانات وأشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية يتطلب استثمارات رأسمالية هائلة ويرفع الطلب على المعادن والطاقة والكهرباء وسلاسل الإمداد الصناعية. وهذا يعني أن الضغوط التضخمية قد لا تختفي بسهولة حتى مع تراجع المخاطر الجيوسياسية، لأن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة جديدة من الإنفاق الاستثماري الكثيف الذي سيخلق طلباً إضافياً على الموارد.
من هذا المنطلق، تعتقد جول أن الأسواق قد تكون متفائلة أكثر من اللازم بشأن قرب انتهاء دورة التضخم العالمية. فصحيح أن انخفاض حدة التوترات في الخليج يخفف الضغوط على أسعار الطاقة، لكن استمرار الإنفاق الحكومي والخاص على مشاريع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وإلى جانب القيود المفروضة على بعض سلاسل التوريد قد يؤدي إلى إبقاء معدلات التضخم أعلى من المستويات التي تستهدفها البنوك المركزية. وهذا بدوره قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي وغيره من البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو سيناريو يحمل انعكاسات مباشرة على حركة الدولار وأسواق السلع وفي مقدمتها النفط.
الصورة الكلية والتوقعات
ترى جول أن المستثمرين يجب ألا يكتفوا بمتابعة الأخبار السياسية، بل بالنظر في الصورة الكلية للأسواق. أصبحت أسعار النفط اليوم نتاج تفاعل معقد بين السياسة النقدية والاستثمارات الصناعية والتغيرات في الطلب العالمي وسلوك المنتجين وحركة الدولار الأمريكي. وبالتالي، بناء توقعات مستقبلية اعتماداً على عامل واحد فقط قد يؤدي إلى قرارات استثمارية غير دقيقة، فالأسواق الحديثة أصبحت أكثر حساسية للتغيرات الاقتصادية طويلة الأجل مقارنة بردود الفعل اللحظية تجاه الأحداث السياسية.
على صعيد التوقعات، ترجح جول استمرار تداول أسعار النفط الخام ضمن نطاق يتراوح بين 70 و80 دولاراً للبرميل خلال المدى القريب، مع ميل واضح نحو الاستقرار الإيجابي ما لم تحدث تطورات جيوسياسية جديدة أو تغيرات مفاجئة في سياسة الإنتاج العالمية. إذا استمرت التهدئة الحالية في الخليج بالتزامن مع تحسن الطلب الآسيوي، فقد نشهد محاولات لاختبار مستويات أعلى، لكن تجاوز هذه المستويات بصورة مستدامة سيحتاج إلى محفزات اقتصادية قوية تتجاوز مجرد انخفاض المخاطر السياسية.
لا تستبعد جول حدوث موجات تصحيح هابطة إذا تبين أن الاقتصاد العالمي يتباطأ بوتيرة أكبر من المتوقع، أو إذا استمرت أسعار الفائدة المرتفعة في الضغط على النشاط الاقتصادي العالمي. لذلك ترى أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة اتجاه سعري حاد، بل مرحلة تقلبات محسوبة داخل نطاقات سعرية واضحة، وهو ما يتطلب من المستثمرين التركيز على إدارة المخاطر أكثر من السعي وراء تحقيق مكاسب سريعة.
تختتم جول تحليلها بالقول إن الرسالة الأهم التي تقدمها التطورات الأخيرة هي أن سوق النفط دخل مرحلة جديدة تختلف عن الدورات السابقة. لم يعد النفط يتحرك فقط تحت تأثير الصراعات أو قرارات المنتجين، بل أصبح جزءاً من معادلة اقتصادية عالمية ترتبط بالتحول الرقمي والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والسياسات النقدية والتغيرات في هيكل الاقتصاد العالمي. لذلك تميل توقعاتها إلى بقاء أسعار النفط مدعومة خلال الأشهر المقبلة، ولكن ضمن مسار متوازن تحكمه البيانات الاقتصادية أكثر مما تحكمه العناوين السياسية، مع استمرار حالة الحذر التي ستظل السمة الرئيسية للأسواق حتى تتضح صورة النمو العالمي والتضخم بصورة أكبر.






