يسعى الكثيرون إلى إظهار صورة جذابة أمام الآخرين، وهذا سلوك طبيعي ما دام لا يتجاوز حدود الاعتدال.
متى تتحول الصورة إلى قيد لا يُحتمل
تتفاقم المشكلة عندما تتحول هذه الصورة إلى وزن ثقيل يُجبر صاحبها على تمثيل دور لا يستطيع الهروب منه، حتى وإن أصابته التعب أو أرهقته الظروف أو تغيرت قناعاته.
النماذج التي تُصوَّر كقوة وثبات
هناك أفراد يُعرفون دوماً بالقوة والاتزان والابتسامة وتصرفهم السليم. يراهم المجتمع كرموز للثبات، ويعتقدون أنهم قادرون على تخطي جميع الصعوبات دون أن يتأثروا.
السجن غير المرئي للصورة المثالية
مع مرور الوقت، تتحول هذه الصورة إلى سجن غير مرئي؛ إذ يشعر صاحبها بأنه ملزم بالحفاظ عليها مهما تعاظمت التحديات أو تغيرت الظروف أو تبدلت المواقف. كثيراً ما يمنع نفسه من إظهار التعب أو الشكوى أو الضعف أمام الآخرين، خشية أن تهتز الصورة التي رسمها المجتمع عنه أو أن تتبدل نظرته إليه.
يستمر الصمت، ويخفى ما يدور في داخله، حتى تصبح المشاعر المتراكمة أثقل من أن تُحمَل، ويعيش تبعات هذا الدور وما يفرضه من قيود.
المجتمع وتكويد الأدوار
يساهم المجتمع أحياناً في صُنع هذا العبء عبر منحه لبعض الأشخاص ألقاباً تجعلهم أسرى لها؛ فهناك من يُطلق على شخص ما صفة “حكيم لا يخطئ”، وآخر “قوي لا ينكسر”، وثالث “كريم لا يرفض طلبًا”، ورابع “متفائل لا يحزن”. ومع الوقت تُنسى حقيقة أن هؤلاء بشر، لهم حقوق واحتياجات، ولهم مشاعر وأخطاؤهم الخاصة.
ومن السخافات أن أكثر من يقدم الدعم للآخرين قد يكون هو الأكثر احتياجاً إلى الدعم، وأكثر من يُنشر الطمأنينة قد يكون هو في أمس الحاجة إلى من يطمئنه.
ما وراء الصورة: الحاجة إلى الصدق والإنسانية
الصورة التي اعتاد الناس رؤيتها تعيق الانتباه إلى ما يكمن خلفها من احتياج وألم ومعاناة. لا يلزم أن يكون الإنسان مثالياً ليحظى بالاحترام، ولا أن يظل قوياً في كل لحظة ليكون مؤثراً. القوة الحقيقية لا تعني إخفاء الضعف، بل تعني القدرة على التعامل معه بصدق ووعي.
النضج لا يعني كتمان المشاعر دوماً، بل التعبير عنها بطريقة تحافظ على الكرامة والتوازن، وتتيح المجال للتجاوز والعفو والتعايش.
حق الإنسان في أن يكون نفسه
الحياة ليست مسرحاً مستمراً ولا يجب على الإنسان أن يقضي عمره ممثلاً لدور صاغه الآخرون. من حقه أن يتعب، أن يتراجع قليلاً، وأن يطلب العون عندما يحتاجه. كذلك من حقه أن يبقى على طبيعته دون خوف من أحكام أو توقعات أو ردود فعل الناس.
لذلك، قبل أن نحسد أحداً على صورته الجميلة، ينبغي أن نتذكر أن الوجوه لا تكشف كل شيء. خلف الكثير من الوجوه الهادئة تكمن قصص صامتة، وخلف الابتسامات تختبئ معارك لا يرى أحدها.
ليس كل من يبدو بخير هو بخير حقاً، ولا كل من يمنح القوة للآخرين يملك ما يكفي لنفسه. أحياناً تكون الصورة المثالية نعمة، وأحياناً أخرى تشكل عبئاً لا يعرف ثقله سوى من يتحمله.
سامي بن أحمد الجاسم






