عاجل
الإثنين، 19 أكتوبر 2026٧ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 16°C

هل تتحول أوكرانيا وإيران إلى أوراق تفاوض بين واشنطن وموسكو؟

19/10/2026 17:07

حوافز واشنطن ومخاوف كييف

قدمت الولايات المتحدة لروسيا حزمة من الحوافز الاقتصادية، شملت اتفاقاً لتوريد الديزل وتخفيف بعض القيود المفروضة عليها، في محاولة لإعادتها إلى طاولة المفاوضات الخاصة بنهاية الحرب في أوكرانيا. وفي المقابل، أبدى الرئيس فلاديمير بوتين استعداده لمساعدة واشنطن في إنهاء المواجهة مع طهران. هذا التقاطع يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت أوكرانيا وإيران قد تتحولان إلى ورقتين تُستَخدمان في مفاوضات واحدة بين العاصمتين، يتم فيها تبادل التنازلات.

ما يمكن أن تقدمه موسكو في ملف إيران

بعد تصريح بوتين في التاسع من أكتوبر عن استعداده لبذل ما يستطيع لمساعدة الولايات المتحدة على إنهاء الحرب مع إيران، دخل الملف الإيراني إلى المشهد. يرى رئيس المركز الأوكراني للحوار عماد أبو الرب أن موسكو تمتلك أدوات للتأثير على طهران بفضل العلاقات السياسية والتعاون العسكري والاقتصادي، لكنه يشير إلى أن هذا النفوذ لا يصل إلى حد السيطرة على القرار الإيراني. فقد ترفض إيران الضغوط الروسية إذا لم تخدم مصالحها، وقد تقبل وساطة موسكو إذا رأت فيها فائدة لها.

وتختلف الروايات حول الدور الروسي في هذا الملف. بينما صرح دونالد ترامب بأنه لا يعتقد أن روسيا تساعد إيران، نقلت رويترز عن مصادر اطلعت على تقييمات استخباراتية أمريكية أن موسكو قدمت دعماً عسكرياً لطهران شمل صوراً أقمار صناعية ومكونات أسلحة. كما سبق أن ربطت مقترحات بين الملفين بشكل أوضح: في مارس قال الرئيس فولوديمير زيلينسكي إن موسكو عرضت وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إيران إذا أوقفت واشنطن دعمها الاستخباراتي لكييف، بينما نفت روسيا تقديم أي مساعدة لطهران. وفي الشهر نفسه، ذكرت أكسيوس أن بوتين اقترح نقل اليورانيوم المخصب الإيراني إلى روسيا ضمن سيناريو لإنهاء الحرب، لكن ترامب رفض العرض.

تفاهمات حول النفوذ وليس مقايضة مباشرة

على الرغم من عدم وجود دليل معلن على مقايضة مباشرة بين واشنطن وموسكو، فإن تطورات الأسابيع الأخيرة تكشف عن تقاطع في المصالح وتداخل في الحسابات. ففي التاسع عشر من أكتوبر، أفادت رويترز بأن بوتين اقترح عقد قمة تجمع بينه والرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ لمناقشة تسوية للحرب في أوكرانيا تميل إلى مصلحة موسكو.

وجاء هذا الاقتراح وسط تقارب أمريكي روسي تبع اتفاق الديزل وأمر تنفيذي أمريكي خفف بعض القيود عن موسكو. ولم يوافق ترامب بعد على القمة، بينما قال الكرملين إنه لا يوجد اتفاق واضح بعد على موعدها أو جدول أعمالها.

ويشير أبو الرب إلى أن الإدارة الأمريكية قدمت اتفاق الديزل كجزء من محاولة لإعادتها روسيا إلى طاولة المفاوضات، وأن مبعوثي ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر أخبروا المسؤولين الأوكرانيين أن الصفقة قد لّيّن موقف موسكو لأنها ترسل إشارة بأن واشنطن مستعدة للتعامل معها. وقد كانت الفكرة أن توقف كييف استهداف المصافي الروسية، وتقدم واشنطن صفقة لموسكو، ثم تنتظر خطوة مقابلة من روسيا.

لكن أبو الرب يرى أن ما يظهر حتى الآن هو مجرد “تقاطع للمصالح”، وليس مقايضة صريحة. ويضيف أن واشنطن تسير على مسارين متوازيين: عقد صفقات وتعاون اقتصادي مع روسيا وتخفيف بعض القيود عنها، وفي الوقت نفسه تقديم حوافز لإنجاح المفاوضات وقبول ترتيبات قد توقف القتال دون حسم نهائي أو التزامات واضحة على موسكو.

ويحذر من أن هذا النهج يثير قلق كييف، إذ ترى أوكرانيا أن روسيا قد تستفيد من الحوافز وتحقق مكاسب دون تقديم تنازلات مقابلة. ويؤكد أن ترامب يحاول الموازنة بين مصالح الولايات المتحدة، ودوره كوسيط، والتزاماته تجاه حلفائه بما في ذلك أوروبا وأوكرانيا، لكنه ينبه إلى أن سياسة الحوافز قد تؤثر في الأمن القومي الأوكراني إذا منحت موسكو مكاسب من دون ضمانات أو التزامات متبادلة.

قراءات أكاديمية حول التنافس على النفوذ

ويستبعد الأكاديمي والباحث السياسي محمود الأفندي وجود مقايضة مباشرة أيضاً، لكنه يقرأ التحركات ضمن تنافس أوسع على النفوذ. ويرى أن الحروب الحالية ترتبط، في نظره، بمرحلة انتقالية نحو عالم متعدد الأقطاب، وأن التفاهمات بين القوى الكبرى قد تدور حول تقاسم النفوز أكثر مما تدور حول تنازلات متبادلة.

ويعتبر الأفندي أن موسكو ترى أنها حققت مكاسب في أوكرانيا، بينما تنظر واشنطن إلى استمرار الحرب باعتبارها عبئاً عليها، وبالتالي قد تسعى إلى فك ارتباطها تدريجياً مع كييف. ويذهب إلى أن ما قد تطرحه روسيا في الملف الإيراني ليس بالضرورة تنازلاً، بل قد يكون ضمانات أمنية لطهران تستند إلى علاقات الثقة بين البلدين وإلى عرض بوتين المساعدة ومقترح القمة الثلاثية.

ويشير إلى أن هذا التقدير يظل قراءة سياسية للأهداف المحتملة، وليس دليلاً على اتفاق قائم. فقد تملك موسكو قنوات ممتازة للتواصل مع طهران، لكن قدرتها على ضمان قراراتها ليست محسومة، كما أن مقترحات الوساطة الروسية السابقة لم تتحول حتى الآن إلى تفاهم مقبول من الأطراف المعنية.

وبالتالي تبدو الصورة أقرب إلى تقاطع مصالح ومحاولات لاختبار حدود التفاوض منها إلى مقايضة أمريكية روسية مكتملة. وسيظهر اتجاه المعادلة في ما إذا كانت موسكو ستتخذ خطوات ملموسة في الملف الإيراني، وما إذا كانت واشنطن ستربط أي حوافز إضافية لها بتنازلات واضحة في أوكرانيا. دون ذلك، قد تحصل روسيا على مكاسب تفاوضية، بينما تبقى الحربان مفتوحتين.