عاجل
الإثنين، 19 أكتوبر 2026٧ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 16°C

الناتو يستعد لمحادثات تحديد القدرات الدفاعية أمام تحديات روسية وخفض أميركي

19/10/2026 17:07

يبدأ حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال شهر أكتوبر الجاري محادثات لتحديد حجم القوات والأسلحة والمعدات العسكرية التي سيحتاجها الحلفاء للدفاع عن أنفسهم في حال تعرضهم لهجوم روسي، וכן كيفية تمويل هذه المتطلبات. وتهدف هذه المناقشات إلى وضع أهداف القدرات الدفاعية للحلف حتى عام 2029 وتحديد ما يلزم كل دولة من الدول الـ32 الأعضاء من قوات ومعدات عسكرية محددة.

الطموح العسكري ومستوى التطلعات

ستكون القضية الأساسية في المفاوضات تحديد العدد الدقيق للقوات والقدرات العسكرية التي يرغب الحلفاء في توفيره، وهو ما يُعرف داخل الناتو باسم “مستوى الطموح”. تاريخياً اتفقت الدول الأعضاء على الاحتفاظ، إلى جانب القوات اللازمة لتنفيذ العمليات العسكرية الكبرى، بـ18 لواء عسكرياً احتياطياً يضم كل منها نحو خمسة آلاف جندي، وكان الهدف من هذه القوات تنفيذ عمليات أصغر لإدارة الأزمات خارج أراضي الدول الأعضاء على غرار المهمات التي نفذها الناتو في أفغانستان وكوسوفو. ومع ذلك فإن الضغوط الأميركية الرامية إلى نقل مزيد من المسؤوليات الأمنية إلى الحلفاء الأوروبيين، في إطار ما يُطلق عليه “ناتو 3.0″، قد تدفع الدول إلى تقليص هذه المتطلبات أو إلغائها entirely. كما من المتوقع أن تناقش الحلفاء تسريع عملية التخطيط الدفاعي لمواكبة وتيرة الابتكارات التكنولوجية في ساحات القتال، بدءاً من تطبيقات الذكاء الاصطناعي وصولاً إلى الروبوتات الأرضية. وتناول المناقشات أيضاً كيفية توفير الدعم العسكري التقليدي للدول المالكة للأسلحة النووية مثل بريطانيا والولايات المتحدة، بما يشمل القوات البرية والطائرات وغيرها من القدرات غير النووية. وتظل المراجعة التي تجريها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بشأن حجم قوات الولايات المتحدة المنتشرة في أوروبا بظلالها على المحادثات؛ فقد سحبت واشنطن بالفعل عدداً من الأصول العسكرية من مجموعة القوات والوسائل التي يمكن للناتو استخدامها، مثل قاذفات القنابل الاستراتيجية، والمقاتلات، والطائرات المسيّرة، والغواصات، والسفن الحربية. ومن المنتظر صدور نتائج هذه المراجعة في ديسمبر المقبل، أي في منتصف فترة المفاوضات داخل الناتو، ما يثير مخاوف من احتمال تسببها في تأخير المحادثات. وتركز بعض المخاوف على سحب الولايات المتحدة قدرات عسكرية تحتاج إليها الدول الأوروبية بشدة، مثل طائرات النقل العسكري الثقيلة، وقد يدفع هذا التوجه الحلفاء إلى البحث بصورة عاجلة عن وسائل لتعويض القدرات الأميركية التي قد يفقدونها، ويفتح الباب أمام نقاشات صعبة حول توزيع الأعباء الدفاعية بصورة عادلة خصوصاً مع الضغوط المتزايدة على الميزانيات الوطنية للدول الأوروبية. ويبرز هنا سؤال: هل يمكن الاستغناء عن بعض الأسلحة الأميركية؟ إحدى الطرق المقترحة هي الانتقال من تحديد أنواع معينة من الأسلحة المطلوبة إلى إسناد أهداف عسكرية محددة لكل دولة؛ فعلى سبيل المثال بدلاً من مطالبة دولة أوروبية بتوفير نوع بعينه من الصواريخ يمكن تكليف قواتها بمهمة تدمير مراكز القيادة الروسية، مما يمنح الحلفاء مرونة أكبر خصوصاً للدول التي لا تستطيع الحصول على أسلحة أميركية متطورة مثل صواريخ “توماهوك” المجنحة، ويعكس هذا الطرح توجهاً نحو التركيز على النتائج العسكرية المطلوبة بدلاً من ربط تنفيذ المهمات باستخدام منظومات تسليح محددة.

الخلافات الإقليمية وتوجهات التركيز

من المتوقع أن يؤدي التركيز المتزايد على التهديد الروسي إلى إثارة خلافات مع بعض الدول الأعضاء التي تشعر بالقلق إزاء تهديدات أمنية أخرى. فعلى الرغم من أن الناتو يتبنى نظرياً نهجاً أمنياً شاملاً بزاوية 360 درجة يفترض التعامل مع التهديدات القادمة من جميع الاتجاهات الجغرافية، فإن تركيز الحلف تحول بصورة متزايدة نحو الشرق منذ بدء الهجوم الروسي واسع النطاق على أوكرانيا عام 2022. وفي العام الماضي اتجه اهتمام الناتو أيضاً نحو الشمال بعد إنشاء مهمة عسكرية في منطقة القطب الشمالي، وهي خطوة جاءت إلى حد كبير استجابة لضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتعلقة بغرينلاند. وفي المقابل ترغب بعض الدول الأعضاء في إيلاء مزيد من الاهتمام للجناحين الجنوبي والجنوبي الشرقي للحلف، وتشمل المخاوف الأمنية في هاتين المنطقتين وجود مرتزقة روس في ليبيا، واحتمال استخدام تدفقات الهجرة أداة للضغط السياسي والأمني، فضلاً عن تزايد نشاط الغواصات والهجمات بالطائرات المسيّرة على السفن في البحر الأسود.

التوازن بين الطائرات المسيّرة والعتاد التقليدي

يُتوقع أن تفرض حرب الطائرات المسيّرة، التي أصبحت سمة بارزة للمعارك على الجبهات الأوكرانية، نقاشاً واسعاً داخل الناتو بشأن التوازن بين الاستثمار في الأنظمة غير المأهولة ومواصلة تعزيز المعدات العسكرية التقليدية مثل الدبابات والمدفعية. وتعمل معظم الدول الأعضاء بالفعل على إعداد خطط لزيادة استخدام المنظومات غير المأهولة في قواتها المسلحة؛ فقد أعلنت بريطانيا خلال العام الجاري عن توجه لتطوير “أسطول هجين” يعتمد بدرجة متزايدة على القطع البحرية ذاتية التشغيل، بما في ذلك المركبات غير المأهولة تحت الماء من طراز “TAIP 93”. أما فرنسا فقد خصصت نحو 8.4 مليار يورو للطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة، وهي أسلحة تستطيع التحليق فوق منطقة معينة قبل الانقضاض على أهدافها. وفي الوقت نفسه تستعد ألمانيا لإنشاء أول فوج عسكري متخصص بالطائرات المسيّرة خلال العام المقبل.

الروبوتات والدروس من أوكرانيا

لا يرتبط التوسع في استخدام الأنظمة غير المأهولة بالتطور التكنولوجي وحده، بل يتصل أيضاً بالصعوبات التي تواجهها الدول الأوروبية في تجنيد أعداد كافية من الجنود. واعتبر رئيس مجموعة الضغط الأوروبية للصناعات الجوية والأمنية والدفاعية، كاميل غراند، أن “أحد العوامل التي تدفع الجميع نحو المزيد من الأنظمة غير المأهولة هو أننا نعيش في مجتمعات تتقدم في العمر، ولدينا مشكلة تتعلق بنقص القوى البشرية”؛ وبالتالي قد تصبح الروبوتات والطائرات المسيّرة جزءاً من الحلول التي تعتمد عليها الجيوش الأوروبية لتعويض النقص في أعداد الأفراد العسكريين. لكن الأعضاء سيواجهون في الوقت نفسه تحدياً يتمثل في ضرورة مواكبة التطورات التكنولوجية الروسية من دون التسبب في استنزاف ميزانياتهم الدفاعية؛ ويشير الأميرال الفرنسي فاندييه إلى أن روسيا تنتج 9 ملايين طائرة مسيّرة سنوياً، وهو رقم يرى أنه يتطلب من الناتو بذل “جهد جذري إلى حد كبير” لمواكبة هذا المستوى الفائق من الإنتاج. واقترح فاندييه أحد الحلول المحتملة، ويتمثل في اعتماد نموذج يشبه الاشتراكات الدورية لتحديث المعدات العسكرية؛ وبموجب هذا التصور يمكن تطوير المكونات المادية للمنظومات العسكرية وتحديثها بصورة مستمرة، بدلاً من الاعتماد على معدات ثابتة تصبح قديمة أو غير فعالة بعد فترة قصيرة، والهدف من ذلك منع تقادم منظومات الأسلحة في ظل التسارع الكبير للتطورات التكنولوجية في ساحات القتال. ويتفق معظم أعضاء الناتو على أن أوكرانيا تسهم في تعزيز أمنهم بفضل امتلاكها جيشاً كبيراً اكتسب خبرة قتالية واسعة خلال الحرب، فضلاً عن التطور التكنولوجي السريع الذي حققته في مجالات عدة مثل الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ، إضافة إلى نظام “دلتا” المتقدم لإدارة العمليات في ساحة المعركة، والذي يُستخدم لجمع المعلومات العسكرية وتنسيقها وتقديم صورة متكاملة عن الوضع الميداني بما يساعد على دعم اتخاذ القرارات العسكرية. وقد دفعت هذه الخبرات بعض الدول الأعضاء إلى المطالبة بتعزيز التعاون العسكري والصناعي مع أوكرانيا للاستفادة من ابتكاراتها وتجربتها القتالية، لكن دولاً أخرى تدعو إلى توخي الحذر عند استخلاص الدروس من حرب أوكرانيا نظراً إلى اختلاف طبيعة القتال هناك عن العقيدة العسكرية التي يعتمدها الناتو، والتي تقوم على تنفيذ عمليات سريعة المناورة، وتحقيق التفوق الجوي، واستخدام الضربات الدقيقة من مسافات بعيدة، بدلاً من الانخراط بالضرورة في حرب استنزاف طويلة على غرار ما يجري في أوكرانيا. وعلى هذا الصعيد قال القائد العسكري الأعلى للناتو، الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش، أمام البرلمان الأوروبي في وقت سابق من الشهر الجاري: “هناك دروس هائلة من هذا الصراع يتعين علينا استخلاصها والاستفادة منها، غير أننا لا نريد خوض حرب من هذا النوع”.