عقب توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في السادس عشر من يونيو، اندفع النقاش بين المختصين حول طبيعة هذه الوثيقة. فقد انطلقت التساؤلات من سؤال بسيط في مظهره لكنه يحمل أبعادًا معقدة: هل تُعدّ المذكرة اتفاقية ملزمة أم أنها مجرد بيان نوايا؟ وكما في قصة كافكا القانونية، لا يمكن إعطاء إجابة مباشرة ومقنعة.
مضمون المذكرة والالتزامات المتبادلة
تحمل الوثيقة مجموعة من الالتزامات التي لا يمكن اختزالها في مجرد إشارة إلى نوايا الطرفين. فقد نصت على وقف الأعمال العسكرية، وضمان حرية المرور وأمن الممرات المائية في الخليج العربي ومضيق هرمز، كما تضمنت دعماً لعملية التهدئة في لبنان. بالإضافة إلى ذلك، تم إقرار آليات للمتابعة والتواصل بمشاركة وسطاء دوليين، إلى جانب ترتيبات اقتصادية شملت تجميد بعض العقوبات المفروضة على إيران.
الفرق بين المذكرة والمعاهدة التقليدية
عند سماع كلمة “معاهدة” يتبادر إلى الذهن نمط تاريخي خاص، مثل معاهدة فرساي التي أنهت الحرب العالمية الأولى وأسست نظامًا دوليًا جديدًا. هذه الصيغ تنهي صراعات وتحدد بوضوح الفائزين والخاسرين والحقوق المستقبلية. بالمقابل، لا تتبع مذكرة التفاهم الأمريكية‑الإيرانية هذا النموذج؛ فهي لم تأتِ بعد انتصار عسكري حاسم، ولا أعلنت إنهاء الخلاف بين واشنطن وطهران، ولا أغلقت القضايا التي أدت إلى الأزمة في المقام الأول. بل أحد بنودها الأساسية هو الاستمرار في المفاوضات للوصول إلى اتفاق نهائي بعد ستين يومًا.
الملزمة القانونية للمذكرة وفقًا للقانون الدولي
يثير السؤال القانوني ما إذا كان لاسم “مذكرة تفاهم” وزنًا في تحديد مدى إلزاميتها. في ميدان القانون الدولي، لا تُعطى المسميات أولوية على حساب المحتوى. فقاعدة فقهية تنص على أن “العبرة بالمقصد والنية لا بالألفاظ” تم تأكيدها في حكم محكمة العدل الدولية في قضية قطر والبحرين عام 1994، حيث تم التركيز على مضمون الوثائق وآثارها القانونية بدلاً من تسميتها.
من هذا المنطلق، يصعب القول إن المذكرة غير ملزمة تمامًا؛ إذ تحمل التزامات واضحة في مجالات الأمن الإقليمي والعسكري، وتشتمل على تدابير اقتصادية كإزالة أو تخفيف بعض العقوبات.
حدود المذكرة وإمكانية اعتبارها اتفاقًا نهائيًا
مع ذلك، لا يمكن تصنيفها كمعاهدة نهائية، إذ تُؤجل عدة قضايا محورية إلى مفاوضات مستقبلية، من بينها مستقبل الترتيبات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وتحديد العلاقة الأمنية بين الطرفين. لذلك يصفها بعض المحللين بأنها “اتفاق إطاري” أو “اتفاق انتقالي” يهدف إلى تنظيم مرحلة حساسة وإيجاد مساحة للمفاوضات بدلاً من حل نهائي.
كما عبّر المثقف العبدي عن حيره قائلاً: “ولا أدري إذا يممتُ وجها… أريدُ الخير أيهما يليني”. إن الواقع الدولي يتسم بالتعقيد، فسواء أُطلق على الوثيقة اسم مذكرة تفاهم أو إطار أو ترتيب انتقالي، فإن فعاليتها تُقاس بما يلتزم به الطرفان فعليًا. ومن ثم، فإن مذكرة التفاهم الأمريكية‑الإيرانية لا تسعى إلى إنهاء الصراع أو إرساء سلام دائم، بل تهدف إلى إدارة مرحلة خطر، وإتاحة مساحة للنقاش وتجنب المواجهة المباشرة.






