شهدت العاصمة الصربية بلغراد، يوم الأحد، احتفالات واسعة النطاق عقب إعلان الرئيس ألكسندر فوتشيتش بشكل رسمي عن خسارة حزبه في الانتخابات التشريعية المبكرة، وهو تطور يُرجح أن يضع حداً لـ14 عاماً من السيطرة السياسية للرئيس على البلاد.
وخلال خطاب ألقاه أمام أنصاره المتجمعين في مقر حزمة ببلغراد، قال فوتشيتش: “استناداً إلى العينة الإحصائية التي تمثل مختلف شرائح الناخبين، يتضح جلياً أننا خسرنا هذه الانتخابات”.
ويأتي هذا الاعتراف بالهزيمة بعد انتخابات مبكرة دعا إليها الرئيس تحت ضغط احتجاجات طلابية واسعة استمرت نحو عامين، ركزت مطالبها على مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين عن كارثة انهيار سقف محطة قطارات في مدينة نوفي ساد التي وقعت عام 2024.
احتفالات في شوارع بلغراد
أفادت وكالة فرانس برس بأن شوارع بلغراد تحولت إلى ساحة احتفال، حيث أطلقت السيارات أبواقها، وتبادل المحتفلون العناق، فيما رقص البعض على أنغام الموسيقى الشعبية الصربية.
وصرح إيليا سردانوفيتش، ممثل القائمة الانتخابية المدعومة من قبل الطلاب، أمام حشود من أنصاره قائلاً: “لن يحكم طاغية هذا البلد بعد اليوم”.
وعبرت الطالبة سوزانا ميلا مارتيتش عن فرحتها الغامرة بالنتيجة، وأخبرت الوكالة: “أشعر بسعادة لا توصف”، وأضافت وهي تبكي: “أشعر بأنني أعيش أخيراً في بلد حر”.
من جانبه، قال رادومير سايتشيتش: “الليلة سنحتفل كما نعرف أن نحتفل في صربيا. سنغني ونرقص ونتعانق وستنهمر الدموع”.
وأشادت ميريانا نيكوليتش، المرشحة على قائمة الطلاب ورئيسة جامعة الفنون المسرحية، بدور الشباب المحوري في الحراك، مؤكدة أن هذا التحول السياسي ما كان ليتحقق لولا جهودهم.
إقبال كثيف وانتشار أمني
سجلت الانتخابات إقبالاً مرتفعاً، حيث أعلنت السلطات أن نسبة المشاركة بلغت 64.89 بالمئة بحلول الساعة السادسة مساءً بالتوقيت المحلي، أي قبل ساعتين من إغلاق مراكز الاقتراع.
وكانت مراكز التصويت قد فتحت أبوابها عند السابعة صباحاً وأغلقتها في الثامنة مساءً.
وسط التوتر السياسي السائد، انتشرت شرطة مكافحة الشغب حول مقر اللجنة الانتخابية ومبنى الرئاسة الواقع في وسط بلغراد.
وأفادت منظمة “سي آر تي إيه” المعنية بمراقبة الانتخابات بأنها رصدت عدداً كبيراً من المخالفات والحوادث خلال عملية التصويت، فيما لم تؤكد السلطات الأمنية وقوع أعمال عنف كبيرة مرتبطة بالانتخابات.
ودعت الحركة الطلابية أنصارها إلى تجنب التجمع قرب المناطق التي تشهد انتشاراً أمنياً كثيفاً، مطالبة بالحفاظ على الهدوء.
حركة طلابية تغير المشهد السياسي
جاءت الانتخابات بعد احتجاجات انطلقت إثر انهيار سقف محطة قطارات نوفي ساد عام 2024، وهو حادث أودى بحياة 16 شخصاً وأثار اتهامات واسعة بالفساد والإهمال.
وتحولت الاحتجاجات تدريجياً من المطالبة بتحقيق شفاف حول الكارثة إلى حركة سياسية شاملة دعت إلى إجراء انتخابات مبكرة.
وشهدت صربيا خلال العامين الماضيين مسيرات حاشدة، كان أبرزها تجمع في بلغراد يوم الخميس الماضي شارك فيه نحو 150 ألف شخص، وفقاً لمرصد مستقل يتابع الاحتجاجات.
وخاضت القائمة المدعومة من الطلاب الانتخابات ببرنامج يركز على مكافحة الفساد، وضمت مرشحين من الأوساط الأكاديمية والفنية والمهنية، معظمهم من حديثي العهد بالعمل السياسي.
وتنافست 18 قائمة على مقاعد البرلمان البالغ عددها 250 مقعداً، في حين اختارت أحزاب معارضة رئيسية عدم المشاركة ودعت أنصارها إلى دعم القائمة الطلابية.
نهاية مرحلة سياسية؟
هيمن الحزب التقدمي الصربي، الذي يتزعمه فوتشيتش، على الحياة السياسية في البلاد طوال السنوات الماضية.
وكان فوتشيتش قد قرر التخلي عن ولايته الرئاسية الثانية قبل انتهائها للترشح لمنصب رئيس الوزراء، في خطوة اعتُبرت محاولة للحفاظ على نفوذه السياسي.
وخلال حملته الانتخابية، اتهم الحركة الطلابية بالتخطيط لانقلاب بدعم خارجي، وهي اتهامات رفضها المحتجون بشدة.
وقبيل الاقتراع، حذرت منظمات مدنية صربية من غياب الظروف الملائمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، بينما تولى مراقبون محليون ودوليون متابعة العملية الانتخابية.
ويعيد المشهد في بلغراد إلى الأذهان الاحتجاجات والانتخابات التي سبقت سقوط حكم سلوبودان ميلوسيفيتش عام 2000، في وقت تنتظر فيه البلاد النتائج الرسمية وتوزيع المقاعد لتحديد شكل السلطة المقبلة.






