على إثر انتشار منشورات مزيفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تزعم فقدان أطفال، أثارت المخاوف من تزايد حالات التزييف باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، لا سيما تطبيقات مثل «الشات جي بي تي». وبعد أن أثار أحد المنشورات شكوكاً لدى كاتب هذه السطور، نظراً لمعرفته ببعض تصاميم الذكاء الاصطناعي، بادر بالتواصل مع صاحب الرقم المذكور في الإعلان، فجاء الرد مؤكداً أن البلاغ غير صحيح، وأنه وأسرته لا يسكنون تلك المنطقة، وأنه تكبد أضراراً بالغة جراء من صمم الإعلان ومن نشره، خاصة بعد أن انتشر الخبر كالنار في الهشيم بين مجموعات المنطقة والأحياء المجاورة، مما دفع شباباً وشابات من المتطوعين إلى الخروج للبحث عن طفل لم يُفقد أصلاً.
مخاطر التلاعب بالذكاء الاصطناعي في بلاغات المفقودين
هنا يبرز السؤال: ألم نسمع مراراً عن مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في مثل هذه الحالات؟ وكيف يمكن لمنشور كاذب أن يتحول، عبر تناقله في الإعلام الرقمي، سواء على المنصات العامة أو المجموعات الخاصة، إلى حالة استنفار اجتماعي قد يستغلها ضعاف النفوس؟ وفي حال توقعنا الأسوأ، أليس من المحتمل أن تكون تلك التصاميم المكذوبة من إنتاج عصابات تخطط لاختطاف أطفال حقيقيين؟ حيث تقوم أولاً بإغراق المجتمع ببلاغات مزيفة، حتى إذا كثر النشر واكتشف الناس في كل مرة زيف البلاغ، ضعفت همتهم وسرعة تفاعلهم مع البلاغات القادمة، فإذا وقع اختطاف حقيقي وانتشر منشور الطفل المختطف بالفعل، لم يجد التفاعل السريع اللازم، فتنجح الجريمة.
تجارب دولية في التعامل مع حالات اختفاء الأطفال
وإذا نظرنا إلى تعامل بعض الدول مع حالات اختطاف أو تغيب الأطفال، نجد أنها توقف أعمال قطاعات أمنية وإسعافية كاملة، مثل الشرطة، ومكافحة المخدرات، والجيش، والحرس الوطني، والإسعاف، والدفاع المدني، وتحولها للبحث عن الطفل لمدة ثلاثة أيام متواصلة على الأقل. وهذا يعني أن طواقمنا، سواء من الكيانات أو المتطوعين أو الجمعيات الأهلية، يجب ألا تستقي معلوماتها من منشور مجهول، بل من حساب رسمي تابع للجهة الحكومية المختصة، يؤكد البلاغ أو ينفيه.
نداء لإنشاء منصة وطنية موثوقة لبلاغات المفقودين
فما الذي يمنع أن تكون لدينا منصة وطنية لبلاغات المفقودين، مرتبطة بوزارة الداخلية والجهات الأمنية المعنية، يظهر فيها البلاغ بعد اعتماده رسمياً، ويكون لكل بلاغ باركود محدث، بحيث يستطيع أي شخص مسح الرمز ليتأكد من صحة البلاغ – هل لا يزال قائماً، أم تم العثور على المفقود، أم أن المنشور المتداول مكذوب من أساسه؟ وما الذي يمنع أن يرتبط هذا البلاغ بخريطة عامة لا تخل بالتحقيق، وبمجال زمني ومكاني واضح، ورسائل تحديث فورية، حتى لا يبقى الناس يدورون في دائرة الإشاعات بعد أن تكون الجهات المختصة قد أغلقت البلاغ؟
إن الفرق التطوعية والجمعيات التي بدأت تنشط في هذا المجال تستحق الشكر، لكنها تبقى جهوداً متفرقة، ويمكن انتحال بلاغاتها بسهولة، خصوصاً في غياب منصة حكومية تؤكد أو تنفي صحة البلاغ. لذلك، كل الرجاء من وزارة الداخلية والجهات المعنية التابعة لها، أن تتحرك لإنشاء مصدر رسمي موحد، يحمي الأسر، ويرشد المتطوعين، ويوقف عبث المنشورات المكذوبة، عبر: (المنصة الوطنية لبلاغات المفقودين).






