عاجل
٢٦ صفر ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 11 أغسطس 2026
الرياض +13°C

ندوة في ساقية الفنون تستعيد ذاكرة أبها وتدعو لتوثيق تاريخها

11/08/2026 01:08

رحلة في ذاكرة المدينة القديمة

نظمت جمعية أبها الأدبي، بالتعاون مع ساقية الفنون لعبدالله شاهر، ندوة بعنوان «أبها.. الماضي القيمة الجمال وأهميتها»، شارك فيها الدكتور محمد عبدالله آل زلفة والشاعر أحمد عسيري. كان اللقاء أقرب إلى رحلة في ذاكرة أبها، واستعادة لزمن جميل بدأت تفاصيله تغيب عن الذاكرة.

استهل أحمد عسيري، وهو من أبناء أبها الذين عايشوا مراحل مهمة من تاريخها، وعُرف مذيعًا بارزًا وشاعرًا مميزًا وأديبًا وإعلاميًا، حديثه عن المدينة التي عاش تفاصيلها. تحدث عن حياة كانت أكثر بساطة وقربًا من الإنسان، وعن الحرف والصناعات الشعبية، وعن المظاهر التي ميزت الحياة اليومية، وعن أشياء كثيرة شكلت جزءًا أصيلًا من ثقافة المجتمع وخصوصية المكان. حمل حديثه شيئًا من الحنين وشيئًا من الحزن، إذ أن استعادة صور الماضي الجميل لا تقتصر على الأماكن والأشياء، بل تشمل الوجوه والأصوات والذكريات والأيام التي لا تعود.

كانت أبها القديمة غنية بتفاصيلها رغم بساطة الحياة؛ الحرف والصناعة الشعبية والأسواق والبيوت والقرى والعادات والتقاليد شكلت منظومة اجتماعية وثقافية متكاملة، ساهمت في تكوين شخصية المكان والإنسان معًا.

تاريخ عسير وموروثها

تناول الدكتور محمد عبدالله آل زلفة، في مداخلته، تاريخ منطقة عسير بشكل عام وأبها بشكل خاص، مستعرضًا جوانب من تاريخها وموروثها، وما تزخر به من مقومات طبيعية وثقافية وحضارية. أكد في حديثه أن أبها لا تملك جمال الطبيعة وحده، بل تملك تاريخًا يستحق القراءة، وموروثًا يستحق الحفظ، وذاكرة تستحق التوثيق.

وفي منتصف الندوة، حضر أمير منطقة عسير تركي بن طلال، وكانت مشاركته وحضوره محل تقدير، إذ أن مثل هذه اللقاءات لا تتحدث عن الماضي لمجرد الحنين، بل تسهم في بناء وعي يحفظ الماضي ويستفيد منه في صناعة المستقبل.

دعوة لإنشاء مركز توثيق

أحد أبرز ما طرح في الندوة كان سؤالًا موجهًا إلى الدكتور محمد آل زلفة: «ألا نرى قريبًا في أبها مركزًا يوثق تاريخها وموروثها، على غرار مركز آل زلفة، بما يحتويه من وثائق وصور ومقتنيات وشواهد تاريخية؟» السؤال، في ظاهره، يتعلق بإنشاء مركز، لكنه في حقيقته كان أكبر من ذلك؛ كان سؤالًا عن ذاكرة مدينة بأكملها.

فرغم تاريخ أبها العريق، لا تزال المدينة بحاجة إلى مشروع علمي مؤسسي واسع لتوثيق تاريخها. الكثير من الوثائق والصور والمقتنيات والروايات ما زالت محفوظة لدى الأهالي، وقد لا يعرف قيمتها إلا أصحابها، لكنها تمثل جزءًا مهمًا من تاريخ المدينة والمنطقة. وهنا تكمن الإشكالية: ما لم يُجمع ويُوثق اليوم، قد يصعب العثور عليه غدًا.

مشروع توثيق وطني متكامل

رأى الحضور أن أهم ما يمكن الخروج به من الندوة هو تشكيل فريق متخصص لتوثيق تاريخ أبها وذاكرتها، بالتعاون بين جامعة الملك خالد وجمعية أبها والجهات ذات العلاقة. الفكرة لا تحتاج فقط إلى مبنى، بل تحتاج قبل ذلك إلى عمل ميداني منظم: فريق يبحث عن الوثائق القديمة، يجمع الصور، يستمع إلى كبار السن، يوثق الروايات الشفوية، يحصر الحرف والصناعات القديمة، يرصد المعالم التي اندثرت أو تغيرت، ويجمع ما لدى الأسر من مقتنيات ووثائق مرتبطة بتاريخ أبها.

كما دعا المشاركون إلى تكوين قاعدة بيانات وطنية متخصصة لتاريخ أبها، تحفظ هذه المواد بصورة علمية، لتكون مرجعًا للباحثين والمهتمين والأجيال القادمة. فالتوثيق هنا ليس مجرد حفظ للورق والصور، بل حفظ للهوية.

وعبّر الحاضرون عن استبشارهم بما سمعوه عن مشروع جبل ذرة «قلعة ذرة»، وما يُنتظر أن يشهده في 2027 من مشروع ثقافي ومتحف، آملين أن يكون إضافة مهمة للمشهد الثقافي في أبها وعسير، وأن يحتضن تاريخ المنطقة وموروثها، ويقدم للأجيال صورة حقيقية عن أبها التي كانت.

الماضي جزء من المستقبل

لا نريد أن نضع الماضي في مواجهة المستقبل، بل أن نجعل الماضي جزءًا من المستقبل. فأبها الحديثة التي نشهدها اليوم، بما تشهده من تنمية وسياحة ومشروعات، هي امتداد لأبها القديمة، ولا يمكن أن يكتمل جمال الحاضر إذا فقدنا ذاكرة الأمس.

أبها ليست فقط مدينة جميلة تستقبل الزائر بطبيعتها ومناخها، بل هي حكاية إنسان ومكان: حكاية بيوت وأسواق وقرى وحرف، حكاية رجال ونساء عاشوا فيها، وحكاية مجتمع صنع من البساطة حياة، ومن الجبال ذاكرة، ومن المكان هوية.

لذا، فإن توثيق تاريخ أبها مسؤولية مشتركة للمؤسسات الثقافية والتعليمية والباحثين والأهالي الذين يحتفظون بجزء من هذه الذاكرة. كل صورة قديمة تحمل حكاية، وكل وثيقة تحمل تاريخًا، وكل رواية من كبار السن قد تكشف جانبًا من حياة لم تعد موجودة. وما لم نوثقه اليوم، قد لا نجد من يرويه غدًا.

المطالبة بتوثيق أبها ليست دعوة للوقوف عند الماضي، بل دعوة إلى أن نأخذ أجمل ما في الماضي معنا ونحن نتجه إلى المستقبل. أبها تستحق أن تُروى حكايتها كاملة: أبها الإنسان، وأبها المكان، وأبها التاريخ، وأبها الثقافة. وهذه الحكاية لا ينبغي أن تبقى في ذاكرة جيل واحد، بل يجب أن تتحول إلى ذاكرة موثقة تحفظها الأجيال، وتظل شاهدة على مدينة كان ماضيها جميلًا، وحاضرها مشرقًا، ومستقبلها أكثر جمالًا بإذن الله.