عاجل
٢٦ صفر ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 11 أغسطس 2026
الرياض +13°C

ليبيا على صفيح ساخن: اغتيال رئيس استخبارات بنغازي وهجمات بالمسيّرات على الزاوية واستقالة محافظ المركزي

في ليلة واحدة، تجلّت أزمات ليبيا المتعددة على ثلاث جبهات متفرقة، ما كشف عن هشاشة الوضعين الأمني والمالي في شرق البلاد وغربها. فقد شهدت مدينة بنغازي اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية، بينما تعرضت منشآت حيوية في الزاوية لهجمات بطائرات مسيّرة، وفي الوقت نفسه أعلن محافظ المصرف المركزي استقالته المفاجئة على وقع تدهور قيمة الدينار.

ورغم عدم وجود دليل يربط بين هذه التطورات الثلاثة بشكل مباشر، فإن تزامنها يبرز قدرة الصراعات الداخلية على اختراق أكثر المؤسسات حساسية، سواء في الشرق أو الغرب.

اختراق قلب بنغازي

وقع أبرز هذه الأحداث في بنغازي، حيث اغتيل مدير إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة للقيادة العامة، اللواء فوزي المنصوري، إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته أمام منزله في منطقة الهواري. ونعت القيادة العامة المنصوري، فيما وصف مدير التوجيه المعنوي العملية بأنها “محاولة يائسة من عناصر إرهابية”، دون توجيه اتهامات إلى أي تنظيم أو جهة محددة، وأكد استمرار التحقيقات.

يحمل هذا الاغتيال دلالات تتجاوز هوية الضحية، إذ نفذت العملية داخل بنغازي، المعقل الأمني للقيادة العامة، واستهدفت مسؤولاً يفترض أنه يتمتع بأعلى درجات الحماية والمعلومات الاستخباراتية. كما أن زرع العبوة أمام منزله يشير إلى مراقبة دقيقة لتحركاته واحتمال اختراق دائرته الأمنية، مما قد يؤدي إلى تحقيقات موسعة وحملة توقيفات وإعادة تقييم لإجراءات حماية القيادات.

وتتراوح الفرضيات الأولية بين انتقام محتمل من خلايا متطرفة، بالنظر إلى دور المنصوري السابق في العمليات ضد الجماعات المسلحة في أجدابيا والجنوب، وبين تصفية مرتبطة بصراعات النفوذ داخل معسكر الشرق. لكن حتى الآن لا توجد أدلة علنية تدعم أيّاً من هذين المسارين.

المسيّرات تضرب الزاوية

بالتزامن مع اغتيال المنصوري، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط حالة “الطوارئ القصوى” في الزاوية، بعد تعرض منشآت نفطية وخدمية لسلسلة هجمات بطائرات مسيّرة. وكان أعنفها استهداف خزان بنزين تابع لشركة البريقة لتسويق النفط، مما أدى إلى اندلاع حريق وانهيار الخزان الذي كان يحتوي نحو 4.5 ملايين لتر.

وسبق ذلك إصابة مباشرة لخزان النافتا في مصفاة الزاوية، أحدثت ثقبين وتسرباً في المخزون، ثم استهداف محطة تحلية المياه. وتشير هذه الهجمات إلى أنها لم تعد حوادث عابرة، بل تحولت إلى نمط يستهدف البنية الحيوية للمدينة. ولم تسمِّ المؤسسة الجهة المنفذة، لكن الشبهات تتركز على أطراف الصراع المحلي، خاصة بعد أيام من اشتباكات عنيفة بين جهاز مكافحة التهديدات الأمنية والكتيبة 103 مشاة، وهما تشكيلان يتبعان مؤسسات حكومة الوحدة الوطنية.

أسفرت تلك المواجهات في الزاوية وصرمان عن قتلى وجرحى، وإغلاق الطريق الساحلي وفرار نزلاء من أحد السجون، قبل أن تمتد دائرة الخطر إلى المنشآت النفطية. ويمثل دخول المسيّرات على خط صراعات الفصائل تحولاً بالغ الخطورة، إذ يمنح الجماعات المسلحة قدرة على ضرب منشآت استراتيجية من مسافات بعيدة، ويهدد بتحويل خزانات الوقود والمصافي إلى أهداف في معارك النفوذ المحلية.

وفي مواجهة هذا التصعيد، ترأس رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، بصفته وزيراً للدفاع، اجتماعاً موسعاً لكبار القادة العسكريين والأمنيين، وأمر برفع الجاهزية والتعامل بحزم مع أي تحركات تهدد الأمن أو المنشآت الحيوية.

استقالة تهز المصرف

وجاءت الصدمة الثالثة من مصرف ليبيا المركزي، حيث قدم المحافظ ناجي عيسى استقالته إلى مجلسي النواب والدولة، قائلاً إنه لا يستطيع كشف الأسباب بسبب “حساسيتها”. وطلب رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة من عيسى مواصلة مهامه مؤقتاً لحماية الاستقرار المالي والنقدي، بينما لم يعلن مجلس النواب موقفه من الاستقالة.

تزامنت هذه الخطوة مع تجاوز الدولار حاجز 9 دنانير في السوق الموازية، وسط أزمة سيولة وضغوط على العملة واتهامات بتوسع التدخل السياسي في قرارات المصرف. وتكتسب الاستقالة خطورتها من أن تعيين عيسى عام 2024 جاء نتيجة تفاهم صعب بين الشرق والغرب، أنهى أزمة على إدارة المصرف تسببت آنذاك في إغلاق حقول نفطية وتراجع الصادرات. وأي فشل في الاتفاق على بقائه أو اختيار بديل توافقي قد يعيد الصراع على المؤسسة التي تدير عائدات النفط وتمول أجهزة الحكم المتنافسة.

ثلاث حرائق وأزمة واحدة

لا توجد معلومات تثبت وجود غرفة واحدة تدير اغتيال المنصوري وهجمات الزاوية والضغط على المصرف المركزي. لكن الأحداث تلتقي عند أزمة واحدة: تراجع سلطة المؤسسات أمام شبكات السلاح والنفوذ. ففي الشرق، وصل التفجير إلى رأس جهاز استخباراتي داخل أكثر المدن تحصيناً. وفي الغرب، أصبحت المسيّرات أداة في صراعات الفصائل قرب أكبر مصفاة عاملة في البلاد. وفي الوسط المالي، بات رأس المصرف المركزي عاجزاً عن الاستمرار وسط تدخلات وصفها بأنها شديدة الحساسية.

لم تدخل ليبيا بعد حرباً مفتوحة، لكن ليلة الاشتعال أضاءت جميع إشارات الخطر دفعة واحدة: اختراق أمني في بنغازي، وتصعيد نوعي في الزاوية، وفراغ محتمل في المؤسسة التي تمسك بأموال الدولة.