الأداء المالي والموازنة
استمر اقتصاد المملكة في عام 2025 بدعم مسيرة التحول الاقتصادي والتنمية الشاملة، وذلك عبر مواصلة تنفيذ مستهدفات رؤية 2030 التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد ورفع تنافسيته وضمان الاستدامة المالية. وعلى الرغم من التحديات المتسارعة التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال نفس السنة، أظهر الاقتصاد السعودي قدرة على التكيف والمرونة أمام المتغيرات الخارجية، ما يعكس متانة الأسس الاقتصادية وفاعلية السياسات والإصلاحات الهيكلية التي نُفذت في السنوات السابقة، إضافة إلى استمرار الإنفاق التنموي الموجه نحو المشاريع الاستراتيجية والقطاعات الواعدة، مما يدعم النمو الاقتصادي ويزيد مشاركة القطاع الخاص ويعزز فرص الاستثمار والتوظيف على المديين المتوسط والطويل.
وفقاً لتقرير وزارة المالية لأداء الميزانية الفعلي لنهاية السنة المالية، انخفض إجمالي الإيرادات العامة بنحو 6.1% مقارنة بالميزانية المعتمدة، ويعزى ذلك أساساً إلى تراجع الإيرادات النفطية. وفي المقابل، ارتفعت الإيرادات غير النفطية بحوالي 5.3% عن التقديرات المعتمدة بالميزانية، مدفوعة باستمرار جهود الحكومة في تطبيق مبادرات تنمية الإيرادات غير النفطية وبنمو الأنشطة الاقتصادية غير النفطية.
من ناحية أخرى، زاد إجمالي النفقات بحوالي 8.0% عن الميزانية المعتمدة، وذلك في إطار التقدم الملحوظ نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030، ومواصلة الحكومة دعم القطاعات الواعدة وتنويع القاعدة الاقتصادية عبر توجيه الإنفاق إلى الاستراتيجيات الوطنية والمشاريع الكبرى، إضافة إلى تحسين جودة الحياة من خلال تطوير المرافق العامة والخدمات الأساسية وتوسيع نطاق التنويع الاقتصادي، إلى جانب استكمال مسار الإصلاحات الهيكلية مع تحفيز النمو وإدخال عدد من المشاريع حيز التنفيذ. وفي هذا السياق، استمرت الحكومة في دعم الإنفاق الاجتماعي لتخفيف آثار التغيرات الاقتصادية على الفئات المستهدفة عبر المراجعات الدورية لبرامج الدعم والإعانات، ورفع مستوى الخدمات العامة وتحسين جودة الحياة، وتمكين القطاع الخاص وتطوير بيئة أعمال تنافسية ومحفّزة تسهم في جذب الاستثمارات النوعية وتحقيق أهداف النمو المستدام.
وتسعى المملكة باستمرار لتحقيق التوازن بين أهداف النمو الاقتصادي والمحافظة على الاستدامة المالية، وفي ظل تبني سياسات مالية موجهة ومعاكسة للدورة الاقتصادية، سجلت الميزانية بنهاية عام 2025 عجزاً بنحو 277 مليار ريال (ما يعادل 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي)، مقارنة بعجز معتمد بنحو 101 مليار ريال (ما يعادل 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي). وبلغ رصيد الدين العام بنهاية السنة نحو 1,519 مليار ريال (ما يعادل 31.8% من الناتج المحلي الإجمالي)، مقابل نحو 1,300 مليار ريال في الميزانية المعتمدة (ما يعادل 29.9% من الناتج المحلي الإجمالي)، بينما وصل رصيد الاحتياطيات الحكومية إلى حوالي 399 مليار ريال.
النمو الاقتصادي والقطاعات
نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2025 بنسبة 4.6%، مدفوعاً بالنمو القوي في الأنشطة غير النفطية التي ارتفعت بنسبة 5.1%. يؤكد هذا الأداء استمرار نجاح برامج الإصلاح الاقتصادي ضمن رؤية 2030 في تعزيز التنوع الاقتصادي الشامل والمستدام. وأسهمت الأنشطة غير النفطية بشكل رئيس في دفع النمو، حيث ساهمت بنقطة مئوية قدرها 2.8 في إجمالي النمو خلال الفترة ذاتها. وتطابقت تقديرات وزارة المالية في الميزانية المعتمدة لعام 2025 لنمو الناتج المحلي الإجمالي الكامل مع معدل الأداء الفعلي.
أما الناتج المحلي الحقيقي للأنشطة النفطية فسجل ارتفاعاً بنسبة 5.7%، نتيجة البدء في التنفيذ التدريجي والمرن لخطة إنهاء التخفيضات التطوعية الإضافية التي أقرت في نوفمبر 2023، وذلك اعتباراً من شهر أبريل 2025، مما دعم مستويات إنتاج النفط مع الحفاظ على التوازن في أسواق البترول.
سجل مؤشر أسعار المستهلك في المملكة لعام 2025 نسبة 2.0%، وهو ارتفاع طفيف عن المقدر له في الميزانية عند 1.9%، مع بقائه دون المستوى العالمي المسجل 4.1% وفقاً لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي.
استمر انخفاض معدلات البطالة بين السعوديين وسط تحسن ديناميكية سوق العمل واتساع الفرص المتاحة للكوادر الوطنية وفقاً لمسح القوى العاملة الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء، حيث بلغ معدل البطالة بين السعوديين في عام 2025 نسبة 7.0%، وهو عند مستويات مستهدف رؤية 2030، ويعكس هذا التحسن توسع الأنشطة الاقتصادية وارتفاع مستويات التوظيف في القطاعات التي شهدت نمواً تشغيلياً ملحوظاً.
في المقابل، سجل معدل مشاركة المرأة السعودية في القوى العاملة خلال عام 2025 تراجعاً ليصل إلى 34.8%. وأظهرت بيانات إحصاءات السجلات الإدارية الصادرة من الهيئة العامة للإحصاء استمرار نمو التوظيف في القطاع الخاص، حيث ارتفع عدد المشتغلين السعوديين في القطاع الخاص في الربع الرابع من عام 2025 إلى 2.5 مليون مشتغل، بزيادة قدرها 5.8% مقارنة بالفترة المماثلة من عام 2024.
المؤشرات الخارجية والسوق
شهد أداء القطاع الخارجي للمملكة في عام 2025 تحسناً ملحوظاً، فقد سجل الميزان التجاري للسلع فائضاً قدره 220.1 مليار ريال مدعوماً باستمرار النمو في الصادرات غير النفطية شاملة إعادة التصدير، التي ارتفعت بنحو 18.9%. من ناحية أخرى، ارتفعت الواردات السلعية بنحو 8.8% في عام 2025، ومع ذلك فإن 69.2% منها تُصنف كواردات وسيطة ورأسمالية. وسجلت تلك الواردات نمواً بلغ 13.8% مقارنة بالعام السابق، ما يعكس استمرار الطلب على مدخلات الإنتاج والسلع الرأسمالية الداعمة للتوسع في الأنشطة الاقتصادية وتعزيز الطاقة الإنتاجية في الاقتصاد الوطني.
كما واصل صافي بند السفر في ميزان المدفوعات أداءه الإيجابي، محققاً فائضاً بلغ 49.4 مليار ريال في عام 2025، تأكيداً للنمو المتواصل الذي يشهده القطاع السياحي، بالإضافة إلى تسجيل تدفقات في صافي الاستثمار الأجنبي المباشر قدره 122.4 مليار ريال في عام 2025، مرتفعاً بـ 52.9% عن العام السابق، وهو ما يعكس استمرار جاذبية البيئة الاستثمارية المحلية.
وبحسب تقرير آفاق الاقتصاد العالمي لشهر أبريل 2026 الصادر عن صندوق النقد الدولي، استقر نمو الاقتصاد العالمي عند نحو 3.4% في عام 2025 دون تغير عن العام السابق. وتظهر التقديرات استقرار نمو اقتصادات الدول المتقدمة والأسواق الصاعدة والنامية للعام 2025 عند 1.9% و4.4% على التوالي، مسجلة بذلك تغيراً طفيفاً مقارنة بعام 2024. من جهة أخرى، واصلت معدلات التضخم عالمياً تراجعها التدريجي منذ بلوغ ذروتها في عام 2022، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى الأثر التراكمي للسياسات النقدية التشددية التي تبنتها البنوك المركزية في السنوات السابقة. وتشير التقديرات أيضاً إلى انخفاض معدل التضخم العالمي من 5.8% في عام 2024 إلى نحو 4.1% في عام 2025، مدفوعاً بانخفاض التضخم في الدول الناشئة والنامية.
كما حقق الأداء الفعلي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2025 نمواً بلغ 4.6%، مدفوعاً بنمو الناتج المحلي الحقيقي للأنشطة غير النفطية بنسبة 5.1%، ويعكس هذا الأداء نجاح برامج الإصلاح الاقتصادي ضمن رؤية 2030 في تحقيق تنوع شامل ومستدام حيث برزت الأنشطة غير النفطية كمحرك رئيس للاقتصاد بمساهمة 55.2% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، وبأعلى مساهمة في نمو الناتج بمقدار 2.8 نقطة مئوية. مقارنة بمساهمة الأنشطة النفطية والأنشطة الحكومية وصافي الضرائب على المنتجات في نمو الناتج بمقدار 1.4 و 0.1 و 0.2 نقطة مئوية على التوالي خلال الفترة ذاتها.
حققت جميع الأنشطة غير النفطية معدلات نمو إيجابية في عام 2025. إذ تشير البيانات إلى أن النمو الأكبر كان في نشاط تجارة الجملة والتجزئة والمطاعم والفنادق بنسبة 6.5%. ويعزى هذا النمو إلى الانتعاش القوي في قطاع السياحة، وزيادة تدفق السياح الدوليين والمحليين ليبلغ عددهم حوالي 122 مليون سائح، مسجلاً بذلك أعلى إنفاق سياحي تاريخي تجاوز 300 مليار ريال مدعوماً بالتوسع في الفعاليات والمواسم الترفيهية، وتنامي القوة الشرائية المدفوعة بتحسن ثقة المستهلك والتحول الرقمي في قطاع التجزئة.
يلي ذلك نمو نشاط خدمات المال والتأمين وخدمات الأعمال بنسبة 6.5% في عام 2025، في حين سجل نشاط الكهرباء والغاز والمياه نمواً بنسبة 6.4%. ونشاط الصناعات التحويلية (باستثناء تكرير الزيت) نما بنسبة 5.6% مما يعكس تسارع وتيرة التنويع الاقتصادي.
من ناحية أخرى، سجل إجمالي تكوين رأس المال الثابت الخاص – غير النفطي – نمواً بنسبة 1.8% في عام 2025 مقارنة بعام 2024، ويعكس ذلك مرونة القطاع الخاص بدعم من الجهود المتواصلة لتعزيز البيئة الاستثمارية في المملكة. وتؤكد استدامة فاعلية البرامج والمبادرات الهيكلية، أبرزها برامج صندوق الاستثمارات العامة وصندوق التنمية الوطني. إضافة إلى التقدم الملحوظ في تنفيذ برامج التحول الوطني، والإستراتيجية الوطنية للاستثمار. وفاعلية الشراكة الإستراتيجية بين القطاعين العام والخاص في تحسين بيئة الأعمال وتذليل العقبات، بما يضمن استدامة النمو الاقتصادي، وتسهيل وصول القطاع الخاص إلى الفرص الاستثمارية النوعية. حيث حقق الائتمان المصرفي الممنوح للقطاع الخاص نمواً بنسبة 10.4% لعام 2025 مقارنة بعام 2024 ليصل إلى 3 تريليون ريال. كما حقق الائتمان المصرفي للمؤسسات العامة في الفترة نفسها نمواً بنسبة 26.3% ليصل إلى 256.6 مليار ريال، حيث انعكس ذلك إيجاباً على أداء الأنشطة غير النفطية في عام 2025 مقارنة بعام 2024، فقد سجلت الأنشطة العقارية نموا بمعدل 3.8% ونشاط “التشييد والبناء” نموا 3.7%.
إلى ذلك سجل الإنفاق الاستهلاكي النهائي الخاص نمواً بنسبة 3.4% لعام 2025 مقارنة بعام 2024، مما يعكس استمرار القوة الشرائية للأسر وارتفاع الطلب المحلي. حيث ارتفعت مبيعات نقاط البيع بنسبة 5.8% لتصل إلى 707.2 مليار ريال مدعومة بتزايد الاعتماد على وسائل الدفع الإلكترونية وتوسع شبكة نقاط البيع، إلى جانب تحسن ثقة المستهلك، وشهدت مدفوعات سداد – ما عدا الخدمات الحكومية – نمواً بنسبة 20.7%. إضافة إلى ارتفاع “التجارة الإلكترونية – عبر بطاقات مدى ” بنسبة 64.7٪، ويشير ذلك إلى تسارع التحول الرقمي وتزايد مرونة خيارات الدفع والتحسن في البنية التحتية اللوجستية والمالية التي أسهمت في تعزيز هذا النمو.






