يتساءل الشباب باستمرار عن التخصص المناسب الذي يجهزهم لسوق العمل المستقبلي. وفي زمن تتسارع فيه التحولات التقنية والاقتصادية، يظل هذا السؤال مشروعًا ولا يمكن إغفاله. إلا أن الواقع يوضح عدم وجود مسار واحد يضمن التفوق؛ فالصناعات تتجدد باستمرار، والتقنيات تنمو بسرعة، والمهارات المطلوبة اليوم قد لا تكون هي نفسها التي سيحتاجها سوق الغد.
العقلية كأهم عامل نجاح
ما يظل ثابتًا هو دور العقيلة وطريقة التفكير في تحقيق التفوق. القدرة على التكيف مع المتغيرات، سرعة التعلم، التعاون مع أشخاص من خلفيات مختلفة، والرغبة في الخروج من منطقة الراحة، تشكل جميعها مقومات لا غنى عنها مهما تغيرت طبيعة سوق العمل ومتطلباته.
دروس من المهاجرين ورواد الأعمال
إن ألقى النظر على المهاجرين والمهنيين العاملين في الخارج يبرز نمطًا واضحًا: ينجح هؤلاء في تأسيس أعمال تجارية بنسب تقارب الضعف مقارنة بغيرهم. وفي الولايات المتحدة، يُعزى ما يزيد عن 40% من شركات «فورتشن 500» إلى أيدي مهاجرين. ولا يُعزى هذا الإنجاز إلى المهارات التقنية فقط، بل إلى أن العمل والعيش في بيئات غير مألوفة يرسخ لديهم صلابة التحمل، والمسؤولية، والاستقلالية، والقدرة على التكيّف.
تجارب تاريخية محلية
تجسدت هذه الظاهرة في تاريخنا أيضًا؛ فمنذ أكثر من قرن، كان تجار العقيلات من منطقة القصيم يتنقلون بين المدن والبلاد بحثًا عن فرص تجارية. لم يقتصر مكسبهم على النجاح التجاري فحسب، بل شمل أيضًا مرونة أكبر، وتوسّعًا في شبكة العلاقات، ورؤى أوسع نتيجة التفاعل مع ثقافات وبيئات متنوعة.
قيمة التعرض لبيئات متعددة الثقافات
من خلال سنوات الدراسة والعمل التي قضيتها في واشنطن العاصمة، تمكنت من إدراك مدى أهمية الانخراط في بيئات متعددة الجنسيات. خلال عملي في السفارة الملكية للمملكة العربية السعودية ثم في مجموعة البنك الدولي، تعلّمت أن المعرفة لا تُكتسب فقط من القاعات الدراسية، بل تُصقل عبر التواصل اليومي مع زملاء يحملون خلفيات وتجارب وأنماط تفكير مختلفة.
اليوم، توفر المملكة للشباب فرصًا استثنائية للاستفادة من هذه الخبرات العالمية. يضم القطاع الخاص كوادر مهنية من شتى أنحاء العالم، كل منهم يحمل أساليب عمل متباينة في مواجهة التحديات. يساهم التفاعل مع هذه الخبرات في توسيع المدارك وتعزيز النمو على الصعيدين الشخصي والمهني.
لقد لاحظنا أثر هذه التجربة في مجتمعنا، حيث عاد العديد من المبتعثين السعوديين من دراستهم في الخارج محملين بما يفوق الشهادات الأكاديمية؛ فقد نمت استقلاليتهم، واتسعت آفاقهم، وتطورت قدراتهم الفكرية، ما أهلهم لتولي مناصب قيادية فعّالة في مختلف القطاعات.
يتجلى هذا المبدأ أيضًا داخل مؤسسات التعليم العالي بالمملكة. على سبيل المثال، لا تقتصر جامعة الملك فهد للبترول والمعادن على جودة مخرجاتها الأكاديمية فحسب، بل توفر لطلابها تجارب حياتية غنية؛ فانتقالهم للدراسة بعيدًا عن أسرهم واحتكاكهم بزملاء من مناطق مختلفة يعزز حس المسؤولية والقدرة على التكيّف، وهي مهارات لا تقل أهمية عن المعرفة المكتسبة داخل القاعات.
يمكن ملاحظة تطبيق «عقلية المهاجر» في ميادين أخرى، مثل كرة القدم. استفاد المنتخب المغربي من لاعبين خاضوا مسيراتهم في أقوى الدوريات العالمية قبل أن يرتدوا القميص الوطني. التدريب والمنافسة في بيئات متنوعة أكسب هؤلاء اللاعبين مهارات ورؤى جديدة انعكست إيجابًا على أداء الفريق بأكمله.
لذلك، إذا سنحت لك فرصة الدراسة في الخارج أو الانتقال بعيدًا عن مدينتك أو العمل في بيئة متعددة الثقافات، يُنصَح باقتناصها. ضع نفسك في مواقف تتطلب التكيّف، التواصل الفعّال، والاعتماد على قدراتك الذاتية؛ فالنمو الحقيقي نادرًا ما يتحقق في بيئات روتينية ومألوفة.
في جوهرها، تُعبّر «عقلية المهاجر» عن الجرأة على ترك منطقة الراحة والانفتاح على تجارب وآفاق جديدة. في عالم يتسارع فيه التغيير بوتيرة غير مسبوقة، تظل القدرة على التكيّف، والشغف بالتعلم المستمر، والمرونة في مواجهة المستجدات، وتحويل الخبرات إلى فرص للنمو، من أهم السمات التي تمهد الطريق نحو نجاح مستدام وتأثير طويل الأمد.






