عاجل
٢٢ محرم ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 8 يوليو 2026
الرياض +24°C

الأطلس الكتالوني: خريطة عالمية تجمع بين المعرفة الجغرافية والأساطير في القرن الرابع عشر

08/07/2026 11:02

يُعتبر الأطلس الكتالوني أحد أبرز الإنتاجات cartographiques في القرن الرابع عشر، إذ يجمع بين المعرفة الملاحية الدقيقة التي اعتمد عليها البحارة في ذلك العصر وبين الروايات والأساطير والتصورات الذهنية التي شكّلت رؤية أوروبا لإفريقيا والشرق. لا يُعدّ هذا الأطلس مجرد خريطة للعالم، بل هو أيضاً خريطة للخيال الأوروبي في تلك الفترة، حيث تتجاور الحقائق الجغرافية مع القصص الأسطورية.

إفريقيا في الأطلس الكتالوني: تفاصيل واقعية وأساطير

في الجزء المتعلق بإفريقيا، يبرز الأطلس صورةً واقعيةً نسبيًا للعديد من المناطق. يُظهر حاكم مصر جالسًا بعباءةٍ وعمامةٍ بيضاء متعدّدة الطبقات، مع إشارةٍ نصّيةٍ تُعرّفه بأنه سلطان بابليون (الفسطاط ومصر)، ويُوصف بأنه أحد الحكّام العظام في المنطقة. يُظهر البحر الأحمر بنصٍّ يوضح أنّ أغلب التوابل القادمة من الهند تمرّ عبره وتصل إلى القصير ومنها إلى الفسطاط والإسكندرية، وهو ما يُعرف اليوم بالطريق الجنوبي البحري للتجارة الدولية، أو ما يُسمّى بطريق الحرير البحري. كما يسجّل الأطلس رحلة استكشافية أوروبية مبكرة إلى غرب إفريقيا، حيث يُذكر أنّ الرحّال جاومي فيرير انطلق من جزيرة بالما في مايوركا في أغسطس 1346، وقد خلّدت جزيرة بالما ذكراه عبر تمثالٍ له يقف شامخًا في أحد شوارع المدينة الرئيسية.

آسيا في الأطلس الكتالوني: من الأساطير إلى التصور

أما صورة آسيا في الأطلس الكتالوني فتميل أكثر إلى الأساطير والروايات التي وصلت إلى أوروبا عبر رحلات الاستكشاف والقصص المتوارثة. يبدأ القسم من شمال آسيا حيث يُظهر بحر قزوين (أو بحر باكو كما يسمّيه الأطلس) حاكمًا يُدعى جاني بك، قائد خانية مغول القبيلة الذهبية، الذي تولى الحكم في منتصف القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي، وإلى يمينه قافلة تسير في أحد فروع طريق الحرير البري. إلى الجنوب من بحر قزوين يُظهر الأطلس الحاكم المغولي الذي يُرجّح أن يكون السلطان أولجايتو خان، حاكم دولة المغول الإيلخانيّين في إيران، ويُشار إليه بأنه حاكم تبريز. يركّز الأطلس على الخليج العربي، المعروف wówczas بالفارسي، موصِّفًا إياه بغنيّ باللؤلؤ ومنه يتم استخراجه وبيعه؛ وفي الجزء المتصل بالمحيط الهندي يُظهر رسمًا لرجلين يصطادان اللؤلؤ. يُظهر رسم شبه الجزيرة العربية رجلاً يؤدي صلاةً رافعًا يديه بالدعاء وإشارة إلى مدينة مكّة، وإلى اليمين سيدة بهيئة فخمة تزدان بتاجٍ ذهبي هي الملكة بلقيس، مع إشارة إلى أن هذه البقعة هي نفسها التي حكمتها ملكة سبأ الشهيرة. في وسط آسيا يُصوّر سلطان بلاد الهند إلى جانبه نصٌّ يذكر أنه يمتلك سبعمائة فيل ومائة ألف فارس. في الشمال الشرقي يُظهر الأطلس قصة الإسكندر الأكبر ويأجوج ومأجوج محاطين بسور من حجر، وفي الأسفل ملكٌ محاط بأتباعه يُشار إلى أنه ملك يأجوج ومأجوج. ثم يصل الخريطة إلى دولة الصين (كاتاي) وعاصفتها خان باليق (أو دادو)، حيث يُبيّن الرسّام أن المدينة يسكنها الحاكم المغولي أعظم ملوك التتار قوبيلاي خان الذي يحميه اثنا عشر ألف فارس ويقيم في المدينة ثلاثة أشهر فقط. وفي أسفل الخريطة، وبشكلٍ محدد في المحيط الهندي، يُرسَم رسمٌ لجزيرة سومطرة.

الأطلس الكتالوني كخريطة للخيال الأوروبي في القرن الرابع عشر

بهذا الشكل، لا يُعتبر الأطلس الكتالوني مجرد خريطة جغرافية للعالم المعروف في القرن الرابع عشر، بل هو أيضًا نافذة على الخيال الأوروبي في تلك الفترة. يجاور فيه الدقة الملاحية التي اعتمد عليها البحارة في تنقلاتهم مع الروايات والأساطير والتصورات الذهنية التي شكّلت صورة أوروبا عن إفريقيا والشرق. يقدّم الأطلس مزيجًا فريدًا من المعرفة الواقعية والتخيل الأسطوري، ما يجعله وثيقة فريدة لدراسة كيف ترى الشعوب الأخرى من خلال عدسة ثقافتها الخاصة.

*كاتبة من مصر*
*ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.*